علمانيو العراق هم خصوم تاريخه المدني

كلما اقترب موعد الانتخابات التشريعية في العراق ترتفع أصوات دعاة قيام الدولة المدنية. غير أن تلك الأصوات تظل من غير صدى، لا لشيء إلا لأن أصحابها لا يملكون رصيدا شعبيا.

فالدولة المدنية التي كانت قائمة حتى عام 2003 قد تم طي صفحتها مثلما طويت الكثير من صفحات العراق وتوارى حراس الماضي خوفا من الشبهات التي يمكن أن تقودهم إلى مصائر سوداء.

تلك الدولة المدنية التي أنشئت في عشرينات القرن الماضي وقاومت الانقلابات العسكرية وعسكرة المجتمع وميليشيات الأحزاب المتصارعة وتغول الأجهزة الأمنية والحروب بكل أنواعها، لم يعد لها من أثر اليوم ولم يعد أحد يترحم عليها، في ظل النواح الديني العصبية الطائفية.

دعاة الدولة المدنية لا يتذكرونها إلا حين الانتخابات. وهو ما يلقي بظلال من الشك على مقاصدهم من وراء حديث ممل، يعرفون أن ليست له في العراق آذان صاغية.

العراق يوم كانت فيه دولة مدنية هو الآن عبارة عن أرشيف من الصور.

حين يرى عراقيو اليوم تلك الصور فإنهم لا يفكرون في العراقي الذي استطاع أن يصنع حياة معاصرة، كان يعيشها في محاولة منه للتماهي مع شروط العيش في العالم الحر.

عراقيو اليوم لا يصدقون أن بلادهم كانت قاب قوسين أو أدنى من الانتقال من العالم الثالث إلى العالم الثاني. ليس في إمكانهم أن يتعرفوا على ذلك البلد الذي كان فيه التعليم مجانيا والزاميا وكان مواطنوه يحصلون على العلاج والادوية مجانا وكانت مدارسه تعج بالمختبرات فيما شهد قطاعا الصناعة والزراعة ازدهارا هائلا بسبب ما انفقته الدولة من أموال هائلة في بناء المصانع وتدريب الايدي العاملة وفي تشييد مشاريع الري العملاقة وتمويل المزارعين بالأموال.

لقد جرى تخريب كل ذلك وتمت إعادة العراق إلى عصر ما قبل الدولة الحديثة.

صار هاجس سياسيي العراق الجديد يقوم على محو كل أثر يُذكر بذلك العراق الذي اعتبر بعلمه وقوانينه ونشيده الوطني وتحرر نسائه ورقيه الثقافي جزءا من عالم صدام حسين الذي يجب محوه.

نوع من التضليل كان القصد منه تدمير العراق بذريعة الانقضاض على أحد بُناته الذي اُعتبر رمزا للماضي. نعم، كان صدام حسين واحدا من بناة العراق الذي جرى تدميره.

لقد تماهى دعاة الدولة المدنية مع الكذبة التي تسعى إلى تكريس الجانب القبيح الذي انطوى عليه سلوك النظام السابق من خلال ميله إلى العنف، لذلك فإنهم يقدمون مشروعهم كما لو أنه فكرة هبطت عليهم في لحظة الهام من غير أن يستعيدوا الإنجازات العظيمة التي قامت بها الدولة المدنية في العراق.

ما يُعاب على دعاة الدولة المدنية أنهم لا يواجهون الشعب بتلك الحقائق، بل أنهم يخشون أن تُلصق بهم تهمة الانتماء إلى ماضي الدولة العراقية المشرف. لذلك نراهم يطرحون فكرتهم باعتبارها جزءا من نظرية عالمية تتعلق بالعلمانية، هي خيار سياسي مقابل للدولة الدينية.

إنهم لا يجرؤون على القول إن هناك دولة مدنية في العراق جرى تدميرها.

في ظل كل تلك المعطيات ألا يحق للشعب أن يتفادى النظر إليهم؟

فبعد أن صارت العلمانية مشروعا انتخابيا لا يملك دعاته سندا تاريخيا له فإن الشعب الذي غرق في خرافات ومرويات المتدينين الطائفيين ليس مستعدا لاستبدال خرافة بخرافة أخرى.

العلمانية في سياق ما يطرحه دعاة الدولة المدنية هي خرافة كفر.

كان الأولى بما يسمون أنفسهم "علمانيين" أن يذكروا العراقيين بأطوار دولتهم المدنية التي رعت التعليم والعمران والعدالة الاجتماعية والقانون والعيش المشترك والعلاج المتطور وخدمات البنية التحتية والعمل وسواها من حقوق المواطنة. غير أنهم لم يفعلوا ولن يفعلوا.

ذلك لأن الحصول على مقعد في البرلمان يحتم عليهم أن يكونوا نظيفين من لوثة البعث الذي صارت الدولة المدنية بسبب تدني الوعي التاريخي جزءا من اختراعاته.