علمانية طهران.. ضمانة لعلمانية بغداد

العداونية المقدسة

يأخذني حديث رجل الدين إياد جمال الدين عن التأييد الذي يبديه الإسلامويون الشيعة العراقيون لنظام ولاية الفقيه في إيران إلى واحد من المشاهد الإشكالية الهامة. الرجل الذي كان قد عاش في إيران لفترة ثم عاصر أزمة الإسلامويين السياسية والأخلاقية في العراق يستطيع أن يضع يده مباشرة على كثير من الجراح التي فتحها هؤلاء الإسلامويون في جسد وروح العراق.

في واحدة من مقابلاته المصورة يؤكد جمال الدين على ان هناك إنحسارا كبيرا لشعبية نظام العمائم في إيران لكنه يرى في المقابل ان نظام الحكم في إيران يشهد تأييدا متصاعدا بين صفوف الإسلامويين الشيعة في العراق. حتى أولئك الذين كانوا ضد ولاية الفقيه من ناحية فقهية صاروا الآن من اشد أنصارها.

وبينما نقل لنا رجال عراقيون كانوا قد زاروا إيران في الفترة الأخيرة أخبارا عن ساحات إيران الخالية من صور خميني وخامنئي، وأخرى عن شوارع طهران ومنتزهاته العامرة بمشاهد هي بالضد تماما من ثقافة النظام الإسلاموي الحاكم إلا اننا نرى بالمقارنة كيف أصبحت شوارعنا ومدننا وخاصة في الوسط والجنوب العراقي تعج بصور زعماء إيران الدينوسياسيين وكيف صارت مدننا مُتْخمة تماما بمظاهر وشعارات وممارسات الحزن الصفوي الكاذب والمتخلف المسيس على سيد الشهداء الحسين بن علي بن ابي طالب.

ترى كيف نفسر هذا التناسب العكسي في مظاهر الولاء والموزع على منسوبه التصاعدي عراقيا وإنخفاض هذا المنسوب إيرانيا. المسألة ليست صعبىة ابدا. الإيرانيون باتوا يعلمون تماما أن طريق إيران نحو النهضة والتقدم باتت تكمن في قدرة إيران على التخلص من هيمنة رجال الدين السياسي. وإن ولاية الفقيه قد إستهلكت نفسها وفقدت بريقها.

على الجانب الآخر يدرك الإسلامويون العراقيون أن إنهيار النظام الإسلاموي في إيران يعني نهاية سريعة وعاصفة لنظامهم السياسي في العراق مثلما يعلمون أن مطار طهران سوف لن يكون على إستعداد للقبول بهم مرة أخرى كما كان عليه الأمر في السابق، ولهذا نراهم في حالتهم هذه أشد ولاء لخامنئي وجنوده من ولاء الإيرانيين أنفسهم. لا بل ونرى العكس تماما : ولاء عراقي مطلق مقابل جزع إيراني متصاعد.

هكذا يمكن للعلمانية الإنسانية التقدمية أن تقدم نفسها كحل أمثل للإشكالية التي يخلقها الدين السياسي سواء على صعيد كل بلد على حدة أو على صعيد العلاقات الخصومية بين البلدين. ونحن نعرف تماما ان العلمانيات السابقة في كلا البلدين لم تتقدم بحل مجز لإشكالية العلاقة التاريخية السلبية بينهما، إذ ظل المتوارث التاريخي والجغرافي مثيرا لنزاعات لم تتوقف إلا لتبدأ مرة اخرى، غير ان العلاقات بين الدولة العراقية الحديثة وإيران قبل صعود الخمينيين للسلطة كانت تبشر بوجود إمكانات مفتوحة على حلول مجزية. بعد صعود الإسلام السياسي في إيران بدأ غلق ابواب التفاهم بمزاليج محكمة ونقل الإيرانيون خلافاتهم من مساحة الإشكالات القابلة للحل إلى مساحة تكفير النظام البعثي في العراق، لا بل وإعتبار العراق البوابة الأساسية لتصدير الثورة، وبدت العلاقة بين البلدين وكانها دخلت في خانق لا يمكن الخروج منه إلا ورأس احد الطرفين معلق على عموده.

ومهما قيل عن النزعات العدوانية لصدام حسين فإن الإكثار من الحديث عنها هو في بعض غاياته حيلة لإخفاء حقيقة النزعات التوسعية الإيرانية التي جرى تقديسها بعناوين تصدير الثورة وإقامة الدولة الإسلامية المترامية الأطراف بحيث كان من الصعب الحيلولة دون قيام الحرب كحل نهائي لهذه الإشكالية التوسعية التي تستظل برايات نشر الإسلام وتسعى للقضاء على الدول العلمانية العربية الكافرة.

إن إيران قد تحولت في السنوات الأخيرة من مدافعة عن الإسلام ومتحدثة بإسمه إلى مدافعة عن الشيعة ومتحدثة بإسمهم، وليس من سبيل هناك للتخلص من هذه العدوانية المقدسة أفضل من قيام نظام علماني في طهران. هذا النظام، إن لم يكن محتما له أن ينهي النزاعات بينه وبين جيرانه فسيكون بإمكانه على الأقل نقلها من خانة المقدس إلى خانة الصراع على المصالح الإستراتيجية التي يمكن حل الكثير من عقده بشكل اسهل لو مر هذا الحل خارج نفق المقدسات المدمرة .

هذا الأمر سوف يضعنا أمام حقيقة أن الحل الوطني للمسألة العراقية سيمر بشكل أفضل بوجود نظام علماني وطني في إيران مستعد للتفاهم مع جيرانه بوجود نوايا طيبة بعيدة عن التعصب القومي مثلما هي بعيدة عن الخطاب الديني المسيس.

صحيح أن شوكة التوسع الإيراني قد تكسرت على جبهات القتال في اثناء حرب الثمانية أعوام مع العراق وإن شعار إقامة الإمبراطورية الإسلامية قد تراجع كثيرا في العلن، غير ان أحلام التوسع ظلت قائمة مثلما ظل معظمها يجري تحت عناوين حماية الشيعة في دول عربية مجاورة، وكذلك فإن تفعيلها غالبا ما يتم من خلال إبقاء خطاب تحرير القدس حارا، وهو شعار لا يمكن إنجازه إلا تحت شعار آخر يقول أن الوصول إلى القدس لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال العبور من بغداد ودمشق ولبنان.

أما الإسلامويون الشيعة سواء في العراق أو في لبنان والبحرين وغيرها فقد بات قدرهم، مقابل ضمان مصالحهم السياسية واٌلإقتصادية، أن يرهنوا مصيرهم لدولة الفقيه الإيرانية وأن يكونوا أشد خمينية من خميني نفسه.

إن قدرة شعبينا على إقامة أنظمة علمانية تقدمية هي مفتاح الحل نحو تشييد مستقبل مشترك أفضل، مستقبل خال من عقد التاريخ الديني والصراع القومي ومحتكم إلى خطاب حداثي وطني يهمه إعادة بناء المنطقة على أساس إحترام السيادة الوطنية واسس العيش المشترك.

إن واحدة من الخواصر الرخوة للإسلام السياس العراقي هي تلك التي تكمن في الجسد السياسي الإيراني ذاته، ومن مصلحتنا أن نضع يدا على تلك الخاصرة ونتطلع مع الشعب الإيراني إلى يوم خلاص مشترك.

جعفر المظفر

كاتب وطبيب عراقي