علماء الآثار الروس يطاردون الفرعون مينا

موسكو
مينا، موحد القطرين، من اعظم ملوك الفراعنة

لا تزال مدينة ممفيس، عاصمة مصر في أيام ما يسمى بالمملكة القديمة التي عاشت في الفترة الممتدة بين القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، تشكل حتى الآن احجية وحلما منشودا بالنسبة لعلماء الآثار.
وحسب المدونات التي تركها المؤرخون المصريون القدماء قام ببناء ممفيس الفرعون مينا الذي يعتبر موحد قطري مصر ومؤسس العائلة المالكة المصرية.
وتعود الاهمية السياسية والاقتصادية الكبرى لتلك المدينة الى موقعها الجغرافي الخاص، فممفيس كانت تشكل الى حد ما حلقة ربط بين مصر العليا والدنيا. ويسمى عصر المملكة القديمة بالعصر "الممفيسي" وذلك لان الفراعنة المصريين نقلوا مقرهم آنذاك الى مدينة ممفيس. اما الميزة الرئيسية لذلك العصر، وهي الميزة التي بقيت ذكراها في التاريخ، فتتمثل في انه "عصر بناء الاهرامات".
واليوم، وفي المكان الذي يرجح علماء الآثار بأن عاصمة مصر القديمة موجودة فيه، يجري علماء الاثار الروس عمليات تنقيب. ويذكر ان بعثة من علماء الآثار الروس، وهي البعثة الاكبر في الفترة الاخيرة، قد بدأت عملها منذ اواخر العام الماضي وتوصلت الى نتائج مثيرة. والعلماء الروس مقتنعون بأنهم سيحققون يوما ما هدفهم الرئيسي المتمثل بالعثور على مدينة ممفيس.
ان مهمة العثور على عاصمة المملكة المصرية القديمة بالامكان تحقيقها كما تؤكد رئيسة البعثة ومديرة مركز الابحاث المصرية لدى معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية غالينا بيلوفا.
وحسب كلامها ان منطقة كوم تومان، حيث يجري علماء الاثار الروس عمليات التنقيب، تشكل بالتحديد نواة العاصمة المصرية القديمة. وهذا المكان يعتبر مكانا فريدا يحتوي على طبقة اثرية متعددة الامتار لم تتمكن مياه النيل من غمرها ابدا. وتقول بيلوفا انه لم يعد هناك عمليا في مصر اماكن شبيهة بهذا المكان.
لقد تسنت لعلماء الآثار الروس فرصة رائعة بالفعل اذ ان السلطات المصرية افرزت لعمليات التنقيب مساحة تقدر بحوالي 20 هكتار حيث يبلغ عمق الطبقة الاثرية من 10 الى 12 مترا. وترى بيلوفا في ذلك "هدية حقيقية منحت للعلماء الروس".
ولقد قدر المشاركون في البعثة هذا الامر بشكل كبير، اذ باشروا بعملهم فورا من دون اضاعة للوقت. وقام هؤلاء في الشهرين الاولين بعمليات بحث جيوفيزيائية وقياسات مغناطيسية دقيقة بالاضافة الى عمليات تصوير طوبوغرافية للجزء الرئيسي من موقع التنقيب. وبالنتيجة انه تم وضع توصيف لتكوين ارض الموقع وتحديد بنيته الجيوفيزيائية ووضع خرائط جيوفيزيائية له.
وحسب خبراء مؤسسة "جيوتكنولوجيا" ومعهد الجيولوجيا التابع لاكاديمي العلوم الروسية الذين يجرون هذه الابحاث بدأت تظهر على عمق 5.1 متر ملامح لحدود جدران ابنية ضخمة ربما كانت قصورا او منازل خاصة.
عدا ذلك تم خلال عمليات التنقيب اكتشاف بلاطات كلسية بطول مترين كانت تستخدم لتغطية الشوارع بالاضافة الى قواعد عواميد والعديد من الادوات المستخدمة في الطقوس الدينية وكذلك افران فخارية ومجموعة ضخمة من الاواني الخزفية. وتسمح تلك الاخيرة بالقول انه لم تكن موجودة هنا في الازمنة القديمة صناعة فخارية فقط وانما ربما صناعة خزفية ايضا وهي صناعة لا تزال مراكزها غير معروفة كثيرا في مصر القديمة.
الا ان اهم ماعثر عليها علماء الآثار الروس هو راس تمثال يعود الى فرعون مجهول. والدليل على ان الرأس تخص احد الفراعنة بالتحديد هو وجود غطاء للرأس كان يلبسه الفراعنة في ذلك الزمن القديم. "اننا نرجح بانه فرعون من العائلة الـ 26 التي حكمت في الفترة ما بين القرنين السابع والسادس قبل الميلاد. الا ان تحديد الفترة التي يعود اليها الغطاء بدقة أكبر لم يتم بعد" كما قالت بيلوفا التي قامت لهذه الغاية بالبحث في مجموعة متحف القاهرة كلها وفي مخزن الآثار المصرية القديمة الموجود في اللوفر الباريسي. واضافت بيلوفا "ان محاولات مقاربة رأس التمثال المكتشف مع موجودات المتاحف لم تؤد الى نتيجة تذكر".
ولقد سارع ممثلو مصلحة الاثارات المصرية عقب اكتشاف راس التمثال الى وضعه ضمن محفوظات الدولة. وهذا التسرع الذي ابدته السلطات المصرية يعتبر اجراء مفهوما. فبحسب العديد من الخبراء ان التمثال الرائع هذا يمكن تصنيفه من جهة القيمة التي تعود له على انه من النماذج الاغلى للثقافة المصرية التي من الممكن ادراجها ضمن المزادات الخاصة بالآثار القديمة. ناهيك عن انه لم يتم العثور حتى الآن على تماثيل كثيرة تعود الى العائلة الفرعونية الـ 26. ويعتبر العثور على كل تمثال أثري جديد حدثا مهما في علم المصريات.
اما العثور على العاصمة المصرية القديمة نفسها فينظر اليه علماء الاثار الروس على انه "وجبة فريدة" بالنسبة اليهم. فهم عازمون على متابعة عمليات التنقيب في كوم تومان في شهري تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الاول/ديسمبر من العام الجاري. وتقول بيلوفا "نحن نراهن ومتأكدون ايضا من ان عمل فريقنا الشاب سوف يحقق اكتشافات جديدة".
وتضيف بيلوفا بأن علماء الآثار الروس وبنتيجة بروز "الاتجاه المصري" في معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية في اواسط التسعينات بدأوا بعد فترة انقطاع امتدت لمئة سنة بارسال بعثات مستقلة الى ارض الفراعنة.
ويعود الى هؤلاء انجاز اكتشاف المعبد الموجود في تل ابراهيم عواضة الذي يعود تاريخه حسب الخبراء الى 5000 سنة. كما يجري العلماء الروس عمليات تنقيب فيما يسمى "بالمخبأ الفرعوني السري" وهو كناية عن مخزن للموميات في الاقصر وكذلك في بير رمسيس عاصمة رمسيس الاكبر. عدا ذلك ينقب العلماء عن معابد مملكة كوش القديمة في السودان وهي المملكة المنافسة للمملكة المصرية. وتشير بيلوفا قائلة "في حسابنا اليوم اكتشافات تدعو المتاحف المصرية للافتخار بها".
ويبدو انه توفرت امام علماء الآثار المصرية الروس ومن بعد انقطاع دام قرنا كاملا امكانية جديدة للعمل وهؤلاء عازمون على تطوير هذا الاتجاه الاغلى و"الاكثر ارستقراطية" من اتجاهات علم الآثار. وبامكاننا ان نتوقع بأن يؤدي الحماس المهني والعمل الشاق والدؤوب لعلماء الآثار الروس بالاضافة الى شيء من الحظ، وهو أمر ضروري في هذه المهنة، الى تحقيق اكتشافات رائعة تقدم الى العالم.