علاقة المثقفين السوريين بالجمهور.. السينما نموذجاً

يا أرض اشتدّي ما حدا قدّي

فيما مضى من الزمان، وقبل أن يحتدم الجدال، بين المثقفين بالكلام والمقالات - الغث والسمين منها - وبالسلاح القاتل بين الجمهور على اختلاف مشاربه، ومنذ فترة ليست بالقصيرة، كان الجميع مثقفين وجمهوراً، يذهبون إلى السينما ويشاهدون الأفلام، ومعظمها كان مصرياً، ثم لحقتها الأفلام الهندية، بروائعها وشعبيها.

لن أخوض في وصف تفصيلي لما كان يجرى، بل سأكتفي بالإشارة إلى أن الأفلام التي كانت تُعْجِب المثقفين، ما كان ليستمر عرضها أكثر من أسبوع، وأحياناً لم تكن تتمه، في حين كان عرض الأفلام التي يشاهدها الجمهور يمدد أسبوعاً بعد أسبوع، وأحياناً أسابيع، وبعضها شهور، إذ يُعاد عرضها بعد فترة.

كان المثقفون يتذمرون في جِلساتهم من السينما الهابطة، ومن نسبة الإقبال المرتفعة عليها، غير أن تذمرهم ما كان يتجاوز جلساتهم سوى إلى الحديث عنه في الجرائد، التي ربما ما كانت لتتخطى مطبوعاتها نسخة واحدة لكل بضعة آلاف. فمعظم من يقرأ الصحف كان يهتم للأخبار المحلية، لا يأبه بغيرها.

عندما ظهر الممثل إسماعيل ياسين سُعِد الجميع لجدته، إنما بعد فترة ملّ المثقفون منه ومن نظرائه، وعافوهم لتكرار التهريج بألوان كان يُقال إنها مبتكرة، في حين أنها منقولة عن السينما الغربية التي تستخدم الكوميديا، واقتصرت معرفة الكوميديا عندنا على قراءة المسرح اليوناني في الكتب. وما زالوا قلائل للغاية أولئك الذين اطّلعوا على "كوميديا ماركس".

فيما بعد أدى شيوع اقتناء التلفزيون في المنازل - على الرغم من التحذيرات القاطعة، وتعليقات المعنيين، الصارمة والساخرة في أن معاً، حتى في المآتم - إلى انحسار مشاهدة الأفلام في السينما، لكنها ظلّت صامدة. ثم برزت فكرة أندية السينما، في بعض المدن السورية، التي لم يتجاوز عدد أعضائها، وعدد مشاهدي أفلامها المختارة مرّة واحدة في الأسبوع، بضع مئات في مدن مليونية. وطبعاً ما كان من شأن المثقفين التساؤل عما يفعله الجمهور!

في المقابل، لم يتهاون الجمهور إزاء المثقفين، فكانت مواقفه جلية وصريحة، فالقول: "الفهم = اللباقة/ البراعة/ الفهلوية، فضّلوه على العلم"، "الأدب = التهذيب، قبل العلم"، ما جرؤ أحد من المثقفين على التصدي له بالتفنيد لعدم علاقته بالموضوع، بل انصاعوا له، وارتضوا أن يكونوا مؤدبين، فلا يعمدوا إلى نقد وتحليل ما هو سائد ومتعارف عليه. ولما تكاثر عدد المتعلمين، ما عاد في إمكان المرء تحديد ما إذا كان أكاديميا ما يحسب مع المثقفين أم مع الجمهور، فقد اختلط الأمر إلى حدّ الإبهام.

من جانب آخر ما كان للجمهور الجمّ التهاون إزاء تعالي المثقفين وترفعهم عن الخوض فيما يهتم له، فوصمهم بأصحاب "الكرافتة والجاكيت". كما أن القضايا العامة ليست سواء هنا وهناك. غير أن بعض القضايا المشتركة كان أمرها مبتوتاً، وسأكتفي بمثالين صارخين، ألغيا وقائع ما سبقت ممارسته من ديمقراطية "الجمهورية السورية" حينها إلى غير رجعة، هما انقلاب حسني الزعيم، الذي حاز تأييد كلا الجانبين على السواء، حتى وحدة القطرين (وهما بلدان متمايزان في عالم عربي بالغ التنوع مثله مثل العالم الكبير) التي تحفّظ بشأنها طرف كان عالي الكعب وطرف كان في حضيض القمع - إذ كان أحد العصفورين اللذين أصيبا بحجر واحد -.

المشكلة العويصة، وإن شئت قل المأساة التعيسة، أن المراجعات والتحليل المنهجي والأسلوب النقدي أمور ممنوعة، في مجالات التاريخ على الأخص، عموماً، وويل لمن يتجرأ على ذلك، فقد أُخِذَت العبرة مما جرى لطه حسين وعلى عبدالرازق - مع التنويع لزوم الإفهام وليس حسب الحال- في مصر، بل قل في بلدنا الأمر أشد هولاً منذ تشكلت "دولة سورية". إذ كل فريق، له ضلع من نفوذ، مُعْجَبٌ برأيه، لسان حاله المثل السائر: "يا أرض اشتدّي ما حدا قدّي".. وهلمجرا.