عكاشة: 'أوعى تبطل كتابة'

بقلم: حسين أبو السباع
'لا يمكن أن تكون هناك رقابة إلا من ذات الإنسان'

حينما كنت في بداية حياتي الصحفية (أوائل التسعينات)، اخترت الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة لأجري معه حواراً لنشره في الصحيفة التي كنت أعمل فيها وقتها، وتمت الموافقة على أن يكون حواراً يليق بالكاتب الكبير، وعلى الفور قمت بالاتصال به هاتفياً، ورحب بي وأعطاني عنوان بيته في كفر غطاطي، وقبل الموعد المحدد بربع ساعة كنت أمام باب منزله، وكان المكان هادئاً جداً، ولقلة خبرتي وقتها طلبت من بواب العمارة أن يخبره بوصولي، كان الموعد في الخامسة، وكانت الساعة وقتها الخامسة إلا الربع، وسرعان ما صعد البواب وهبط قائلاً لي الأستاذ قال الموعد الساعة "خمسة"، ملأني الحرج وارتبكت، لكن سعادتي بلقاء العملاق شجعتني أكثر على استكمال التجربة.

لأول مرة ألتقي كاتب "ليالي الحلمية" و"أبو العلا البشري" و"النوة" وغيرها الكثير جداً من الأعمال التي بلغت وقتها أوائل التسعينات 27 مسلسلاً للتلفزيون، وحين أشارت عقارب الساعة إلى الخامسة كنت قد توقعت أني سألتقي رجلاً صعباً جداً، ذا مزاج حاد، يتمسك بعدم لقائي قبل الموعد بخمس عشرة دقيقة، صعدت في المصعد، وضربات قلبي تسابقني وأضع عشرات الاحتمالات، كلها ذهبت حين فتح هو الباب بنفسه، وعلى وجهه ابتسامة صاحب البيت المضيف، وقال لي ادخل تعالى، ودخلت مكتبه البسيط الراقي، وفاجأتني صورة الأستاذ الكبير نجيب محفوظ معلقة بعناية شديدة، وجلس هو وقتها على المكتب وأنا أمامه، وقام بتركيب جهازي تسجيل لتسجيل الحوار بالإضافة إلى الجهاز الخاص بي، ولما سألته عن سبب ذلك قال لي "كتير من الصحفيين بيجوا يقولوا عني كلام أنا ما قلتهوش".

وبدأ الحوار الذي كنت قلقاً جداً معتقداً أنه لن يزيد عن النصف ساعة، والأسئلة العشرة التي كنت قد أعددتها معي ستنفد بعد قليل جداً من حواري معه، لكنني فوجئت بمجرد أن بدأ الحوار بإنسان قريب جداً إلى البساطة، مليء بعفوية مدروسة، يعرف أين تكون كلماته، والنصف ساعة امتدت قرابة الثلاث ساعات، حتى امتلأت أوراقي وشرائط الكاسيت التي كنت أعددتها لهذا اللقاء، ونشر الحوار الذي أسعدني وجود اسمي عليه إلى جوار اسم العملاق الكبير أسامة أنور عكاشة.

ووردت إلي ردود أفعال كثيرة لهذا اللقاء الذي كان يعتبر من أوائل الحوارات الصحفية التي أقوم بها في حياتي، وكل من قرأه أثنى على كل تفصيلة فيه.

لم يفتني وقتها أن أسأله عن صورة أديب نوبل، قال لي "إذا كان الروس يعتبرون غوغول أبو الأدب الروسي، فإن نجيب محفوظ أبو الرواية العربية".

وسألته عن أول عمل يعرض له في التلفزيون كان مسلسلاً بعنوان "ريش على مفيش"، قلت له إن العمل لا يتناسب مع قامة أسامة أنور عكاشة، فرد بغضب قائلاً "وقتها كنت صغيراً، والرقابة أعملت فيه مقصها كثيراً"، وحين سألته عن موقفه من الرقابة الآن (أوائل التسعينيات) قال لي "أقول لهم الهتاف الكروي الشهير قاعدين ليه متقوموا تروحوا، ففي ظل وجود الفضائيات لا يمكن أن تكون هناك رقابة إلا من ذات الإنسان، وليس من خارجه".

رحل أسامة أنور عكاشة في هدوء بعد أن آثار رياح "النوة"، وصارع طواحين الهواء، وكانت له لياليه الطويلة في الحلمية، رحل وترك لنا تراثاً كبيراً من الأعمال التلفزيونية التي علمتنا الكثير.

لن أنسى لقائي الأول والأخير معه، وتفاصيله الجميلة التي علمتني الكثير في بداية الطريق.. وكلمته تعليقاً على الحوار بعد نشره "ممتاز".

بعد نهاية الحوار عرضت عليه قصة قصيرة كنت قد كتبتها وقتها، وقلت له محتاج رأيك يا أستاذ، فقرأه بهدوء ورفع رأسه من فوق الورق وقال لي "أوعى تبطل كتابة".
رحم الله أسامة أنور عكاشة عملاق الدراما. حسين أبو السباع - أديب وصحافي مصري مقيم في الرياض