عقيمة... هي وراعيها

هكذا.. وبعد ست جولات مكوكية زار فيها وزير الخارجية الأميركي المنطقة، التقى الفريقان المفاوضان الفلسطيني والإسرائيلي في واشنطن وبدأت بذلك الجولة الأولى من المحادثات الأولية التي ستوصل بعد أسبوعين إلى بدء المفاوضات الرسمية بين الطرفين.

ومن تابع البهجة التي وسمت تعابير كيري وهو في مؤتمر صحفي معلنا بدء المباحثات، يختلط عليه الأمر فيما إذا كان الوزير الأميركي مبتهجا بعودة المفاوضات إلى المشهد السياسي، أم أنه يعلن نجاح هذه المفاوضات وقد وصلت إلى نتائجها المرجوة وبات تجسيد «حل الدولتين» قاب قوسين أو أدنى من التحقيق.

وعلى الرغم من أن كيري أكد مرارا على أن جميع القضايا الأساسية ستكون قيد البحث في المفاوضات التي ستستغرق تسعة أشهر، فإن ذلك لا يعني بنظر المراقبين أن هناك بارقة أمل في التوصل إلى حل لهذه القضايا، بسبب الموقف الإسرائيلي من هذه القضايا وقدرته على تعطيل أية إمكانية للتوصل إلى اتفاق لا يستجيب للرؤية الإسرائيلية التوسعية.

من تابع المؤتمر الصحفي الذي عقده الوزير كيري عقب اختتام جولة المباحثات، يلفت انتباهه إصرار وزير الخارجية الأميركي على أن يكون هو المصدر الحصري لأية معلومات عن سير المحادثات وكأنه قد نصب نفسه الناطق الإعلامي الرسمي لعملية التسوية، خارجا عن دوره المفترض كراع لهذه العملية. إضافة إلى ما ذكره عن الطابع السري لهذه المحادثات وما يجري فيها.

هذا التشديد على حصرية المعلومات وسريتها يدل على مؤشرات أبرزها أن الوزير الأميركي أدرك وهو يبذل جهوده من أجل عقد المفاوضات أن الفارق بين الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي أكبر من أن تستطيع المفاوضات ــ أية مفاوضات ــ الجسر بينهما، طالما وقد دخلها الجانب الإسرائيلي وهو متمسك بكافة شروطه التوسعية. ولو كان هناك أية بارقة أمل في إحداث تقدم جوهري في هذه المفاوضات لكان الأمر واضحا قبل بدايتها، في حال قبلت إسرائيل المطالب الفلسطينية ذات الصلة بالاستيطان ومرجعية خطوط الرابع من حزيران 67.

والأهم من هذا، وكما طرح سابقا، فإن عملية التسوية السياسية تحتاج لنجاحها مجموعة من المقدمات أبرزها من حيث الجوهر أن تعترف إسرائيل بأنها تحتل الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس. وإن بوادر التقدم في عملية التسوية تتطلب بالأساس الاستعداد المعلن لإنهاء هذا الاحتلال، وإزالة ما ترتب على هذا الاحتلال من وقائع استعمارية واستيطانية أحدثت في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عدوان حزيران 1967.

ويحتاج هذا الاعتراف إلى إطار قانوني متمثلا في النزول عند تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة في الصراع، وفي المقدمة ما يخص قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها. وهو أمر ترفضه إسرائيل بشكل قاطع وتساندها واشنطن (راعية التسوية) في هذا الموقف. وهذا يعني أن الخوض في تسوية سياسية دون تحقيق هذه الأسس سيضع المفاوضات مسبقا في طريق مسدود، لأن غياب هذه الأسس سيضع المباحثات أمام عملية تفاوض على مستقبل أرض «متنازع» عليها، وبهذا الشكل سيتم الاحتكام إلى موازين القوى الفعلي على الأرض؛ وهو كما يعرف الجميع مختل بشكل فاضح لصالح الاحتلال. وبالتالي فإن أي «تقدم» في عملية التسوية سيكون على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية، ولا نعتقد بأن المفاوض الفلسطيني يجرؤ على الخوض في تسوية تتجاوز هذه الحقوق أو تشطب بعضها، لأن هذا خط أحمر رسمه الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية عموما.

إذن، فإن التسعة أشهر القادمة، وربما أكثر بكثير، ستكون مسرحا لتعاقب جلسات التفاوض «السرية» التي تسعى واشنطن لإيهام المتابعين بأن هناك حلا «يطبخ» على الطريق، وبأنها لا تريد أن تحرج نتنياهو أمام إئتلافه الحاكم وتسرب أخبارا عن مجريات المحادثات تتحدث عن «تنازلات مؤلمة» يستعد الجانب الإسرائيلي للإقدام عليها.

هذه المفاوضات بشروطها القائمة والظروف التي نصبت طاولتها، لا تحمل في أحشائها جنينا مؤهلا لأن يرى الحياة ويعيش ويستمر. وكل ما هنالك، كما تجمع المؤشرات كلها، عملية «تسكين» للوضع الفلسطيني في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات عاصفة ينذر بعضها بأن المنطقة على أبواب فوضى شاملة، تفتخر تل أبيب بأنها «الركن» الهادئ والمستقر الوحيد في هذه المنطقة المضطربة.

وبالتالي، فإن أية تسوية سياسية ينبغي أن تدعم هذا الهدوء وهذا الاستقرار وعدم التضحية به من أجل إرضاء الفلسطينيين الذين هم في نظر إسرائيل وربما أميركيا جزء قادم من الفوضى المستمرة في المنطقة، وبأن التسوية المفترضة ينبغي أن تقيد حركتهم وتوجهها بعيدا عن البوصلة المطلوبة، وهي بالتأكيد مواجهة الاحتلال وتعبيراته بعدما يتملكهم اليأس تماما من إمكانية رؤية دولة فلسطينية مستقلة عبر المفاوضات في ظل الشروط الإسرائيلية والأميركية المطروحة.

المفاوضات الحالية.. كما سابقاتها عقيمة، بل ربما هي أكثر عقما من أي جولات تفاوضية سابقة، لأن الراعي الأميركي هو نفسه لا يملك قرارا واضحا بشأن طبيعة التسوية التي يمكن أن تؤدي إلى الاستقرار الحقيقي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.. لذلك هو يكتفي بابتسامة الفوز وهو يرى الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وقد التقيا حول طاولة التفاوض، لكنه لا يستطيع أن يخفي بأن ما يستطيع مواراته خلال تسعة أشهر قادمة سيضعه أمام بركان من الغضب الفلسطيني عندما تنكشف الخدعة ويتبين أمام الجميع أن ما في أحشاء هذه المفاوضات إنما هو حمل كاذب.. لأنها بالأساس عقيمة.. كما هو راعيها الأميركي.