عقود شركات النفط الكبرى في العراق اكبر عملية سلب في التاريخ

بقلم: ناعومي كلاين

ما أن تجاوز سعر برميل النفط 140 دولارا، عمدت حتى أكثر الصحف اليمينية تطرفا الى تكريس جزء من صفحاتها لإنتقاد شركات النفط الكبرى، سعيا منها للفوز ببعض المصداقية لدى الجمهور. بل أن بعضها ذهب الى حد دعوتي الى مناقشات للحديث عن "رأسمالية الكارثة". وعادة ما يمضي هذا النوع المناقشات جيدا، حتى يحدث العكس.
وعلى سبيل المثال فقد تبادلنا أنا ومعد البرامج الإذاعية جيري دويل "المحافظ المستقل" حديثا سلسا عن شركات التأمين الفاسدة وكفاءة السياسيين، الى حين قال لي: "أعتقد ان عندي طريقة سريعة تجعل أسعار النفط تنخفض". وأضاف دويل: "لقد استثمرنا مبلغا قدره 650 مليار دولار لتحرير أمة تتألف من 25 مليون شخصا. أفلا يكون مطلبا عادلا لو ان هذه الأمة تعطينا النفط مجانا؟ ينبغي ان تسير الناقلة خلف الناقلة، مثلما يحدث خلال إزدحام المرور، حتى تصل الى نفق لينكولن، لكي تقول الحكومة العراقية لنا "شكرا". ثم لماذا لا نذهب لنأخذ النفط هكذا، من دون طلب حتى؟ لقد قمنا بالاستثمار في تحرير البلد، وهكذا سوف نتمكن من حل مشكلة إرتفاع أسعار النفط والغاز في غضون 10 أيام وليس 10 سنوات".
وبطبيعة الحال، فان خطة دويل لا تخلو من المشاكل. المشكلة الأولى، هي انه يرسم معالم واحدة من أكبر أعمال السلب في التاريخ. أما المشكلة الثانية، فهي أن الخطة متأخرة جدا. فـ"نحن" نقوم بالفعل بسلب النفط، أو اننا، في الأقل، على شفير القيام بذلك.
لقد بدأت عملية السلب بعقود الخدمات التي تجري مناقشتها من دون منافسة في العروض، مع شركات اكسون موبيل، شيفرون، شل، بي بي، وتوتال. وبرغم ان العقود لم توقع بعد، إلا انها ستوقع في آخر المطاف.
الدفع للشركات الكبرى مقابل خبراتها التقنية ليس شيئا غريبا بحد ذاته. الغريب هو أن تذهب هذه العقود لشركات النفط الكبرى المعنية بالتنقيب والإستخراج بدلا من ان تذهب الى شركات الخدمات. وهذه العقود لن تكون مفهومة الدوافع إلا عندما يتضح ان الشركات النفطية الكبرى أصرت على حقها في رفض العروض الملحقة بعقود تسلم وإدارة وانتاج حقول النفط في العراق. وبعبارة أخرى، فانه سيكون بوسع شركات الخدمات ان تقدم عروضا، إلا ان الشركات الكبرى هي التي ستفوز.
بعد أسبوع من إعلان الصفقات من دون منافسة، تكشّف امام العالم الملمح الأول للجائزة. فبعد سنوات من المناقشات في الغرف الخلفية للوي الأذرع، أعلن العراق رسميا عن قيامه بفتح 6 من حقوله النفطية التي تضم نصف إحتياطاته المعروفة امام المستثمرين الأجانب. ووفقا لوزير النفط في العراق، فمن المقرر أن توقع عقود النفط طويلة الأجل في غضون عام. وفي حين ان هذه الحقول ستبقى ظاهريا تحت سيطرة شركة النفط الوطنية العراقية، فان الشركات الأجنبية الكبرى ستحظى بـ 75% من قيمة العقود، بينما يبقى 25% فقط لشركائها في العراق.
وهذا النوع من النسب لم يسبق لأحد أن سمع به من قبل، لا في دول الخليج العربي ولا في بلاد فارس، حيث كانت إستعادة السيطرة الوطنية على النفط تمثل لحظة حاسمة في النضال ضد الهيمنة الإستعمارية.
ووفقاً لغريغ موتيت، الخبير النفطي المقيم في لندن، فقد كان الإفتراض السائد حتى الآن هو ان الشركات الأجنبية ستدعى للمشاركة في تطوير الحقول الجديدة في العراق، وليس الإستيلاء على الحقول المنتجة بالفعل والتي تتطلب مقدارا محدودا من الدعم التقني. قال لي "السياسة كانت على الدوام تتجه لإبقاء هذه الحقول تحت سيطرة شركة النفط الوطنية العراقية". واضاف "ولكن العقود الجديدة تمثل انقلابا كليا على تلك السياسة، اخذاً بعين الإعتبار ان شركة النفط الوطنية ستحصل على مجرد 25% من عائدات تلك الحقول الكبرى بدلا من 100% التي كانت تتمتع بها".
والآن، فما الذي يجعل من هذا النوع من الصفقات الرديئة ممكنا في العراق، الذي عانى، من جانبه، كثيرا؟ انه لمن المفارقة أن معاناة العراق، التي تبدو أزمة بلا نهاية، ستكون هي القاعدة التي يجري عليها إتخاذ الترتيبات لتهديد العراق بافراغ خزانته من مصدر الثروة الرئيسي.
المنطق الراهن يذهب في هذا الإتجاه: بينما كانت صناعة النفط العراقية تحتاج الى خبرات أجنبية بسبب سنوات من الحصار التي حرمته من الحصول على تكنولوجيات جديدة، فقد أدى الغزو وأعمال العنف المتواصلة الى دفع تلك الحاجة الى مديات أبعد. واليوم، فان العراق بحاجة الى انتاج المزيد من النفط. ولكن لماذا؟ بسبب الحرب أيضا. وفي حين أن البلد قد تحطم، بسبب هذه الحرب، فان المليارات من الأموال يجري تسليمها بعقود من دون منافسة الى الشركات الغربية التي فشلت في إعادة بنائه.
ومن هنا جاءت العقود الجديدة: سوف يتم الحصول على المزيد من الأموال، ولكن في بلد أصبح مكانا خطرا لشركات النفط الكبرى التي يجب أن تقبل المغامرة من أجل الإستثمار. وبهذا يكون الغزو قد وفر الذريعة للمزيد من التخريب وأعمال النهب.
العديد من مهندسي الحرب ضد العراق لم يعد يهتم حتى بإنكار إن النفط كان الحافز الرئيسي للغزو. وحول هذه النقطة، ومن على موجات محطة الإذاعة الوطنية الأميركية، قال فاضل الجلبي، وهو أحد مقدمي المشورة للإدارة الأميركية في التمهيد للغزو، "أن الخطوة الإستراتيجية للولايات المتحدة وبريطانيا هي ضمان وجود عسكري في الخليج للسيطرة على إمدادات النفط في المستقبل." والجلبي الذي شغل منصب وكيل وزير النفط واجتمع مع ممثلين عن شركات النفط الكبرى قبل الغزو، قال أن هذا كان أحد الأهداف الرئيسية للغزو.
غزو البلدان للإستيلاء على ثرواتها الطبيعية، أمر غير شرعي من وجهة نظر اتفاقيات جنيف (لعام 1949). وهذا يعني أن المهمة الضخمة لإعادة بناء الهياكل الأساسية للعراق، بما فيها البنية التحتية النفطية، تقع المسؤولية المالية عنها على عاتق الغزاة. وهذه المسؤولية يجب أن تُدفع للعراق على هيئة تعويضات، على غرار التعويضات البالغة 9 مليارات دولار التي أُجبر نظام صدام حسين على دفعها للكويت.
ولكن بدلا من ذلك، فان العراق يضطر الى التخلي عن 75% من ثرواته الوطنية لتسديد فواتير غزوه واحتلاله غير المشروع. ناعومي كلاين
كاتبة اميركية www.naomiklein.org