عقدة الفلوجة وسياسة قفز الحواجز

ليس من حسن حظها أن تكون الفلوجة واحدة من أكثر المدن شهرة حول العالم. فشهرة هذه المدينة العراقية الصغيرة تصفعنا بما أصابها من كوارث، لم يخف صانعوها الاميركيون ومرتزقتهم رغبتهم في ابادة أكبر عدد من أهالي المدينة التي لم تذعن للاحتلال الاميركي ولم تستسلم لأوهام الحرية والديمقراطية والتغيير التي سعى المحتل من خلال معاونيه من العراقيين إلى اشاعتها تبريرا لجريمته.

لقد أبت تلك المدينة المحافظة على نفسها إلا أن تقاوم الاحتلال، فكانت تلك المقاومة جريمتها التي لا تغتفر، لا من قبل المحتل الاميركي وحده، بل وأيضا من قبل سياسيي العراق الجديد الذين وجدوا في تلك المقاومة نوعا صريحا من الرفض المطلق لتسللهم إلى السلطة تحت غطاء غير شرعي هو الاحتلال.

ما لا ينسى لأياد علاوي - وهو يمثل اليوم دور المعارض - ظهوره الاستعراضي عند حدود المدينة فيما كانت المدافع الاميركية تدكها بالغبار الأبيض. في الوقت نفسه لم تخف الميليشيات الكردية مشاركتها في القتال إلى جانب القوات الاميركية في سحق المدينة.

وإذا ما كانت قوات الاحتلال قد بررت جريمتها من خلال الادعاء بأنها كانت تطارد ارهابيي تنظيم القاعدة فان هناك وقائع ثابتة تؤكد أن أولئك الاعداء المفترضين قد تلقوا التعليمات من جهة مجهولة بما يسهل عليهم انسحابهم من المدينة قبل يومين من بدء الهجوم الاميركي.

كل ذلك حدث عام 2004.

كانت القوات الأميركية تعرف ما يعرفه ادلاؤها من العراقيين أن المدينة التي عزت عليها كرامتها كانت تقف وحيدة بسكانها المدنيين في مواجهة غزو تقوم به قوات أقوى وأعتى امبراطوريات عصرنا وأكثرها شراسة ووحشية.

كان صمت سياسيي العراق الجديد عما جرى للفلوجة هو عارهم، بل كانت الفلوجة هي عار المجتمع الدولي كله، مثلما وصفت الجزائر في منتصف القرن الماضي بانها عار الفرنسيين.

غير أن سياسيي العراق المتورطين بعلاقة ذيلية وخدمية مع المحتل تعمدوا أن ينسفوا أي دلالة أخلاقية لما جرى للفلوجة ولأهلها. كان الإنكار طريقتهم في استدعاء النسيان وسيلة لصنع تاريخ زائف. لم يكن في إمكانهم وهم الذين تتلمذوا على أيدي خبراء غربيين في الكذب سوى أن يديروا ظهورهم للمدينة المنكوبة التي كانت حدائق منازلها قد تحولت إلى مقابر فيما كانت أرحام نسائها تضج بصرخات الأطفال الذين سيولدون مشوهين.

يُخيل إلي أن اولئك السياسيين كانوا يحلمون في أن تختفي تلك المدينة من أجل أن يختفي عارها. غير أن مدينة المآذن التي أبت سوى أن تقاوم أبت أيضا سوى أن تعلن عن وجودها مدينة محتجة لا تقبل المساومات ولا التسويات الوضيعة.

سيكون على حكام العراق الجديد أن يصطدموا بعقدة اسمها الفلوجة.

العقدة التي لم يفلح الامريكيون في تفكيكها وسحقها سيقع رئيس الحكومة العراقي في فخها. فها هو الرجل الذي لم يبق على ولايته سوى بضعة أشهر يراهن على استمراره في الحكم من خلال حرب يشنها على الفلوجة.

لقد عثر المالكي على فريسته الثمينة التي يظن أنه سيحظى من خلال صيدها على رضا الولايات المتحدة وفي المقابل فان المدينة الشهيدة لن تفقد شيئا من خيلاء اسطورتها وهي تتعرض لهجمة همجية جديدة.

صحيح ان حرب المالكي على الفلوجة هي حرب خاسرة في كل المقاييس، ذلك لانها تجسد عمليا سياسة عاجزة عن التعامل مع مشكلات الواقع إلا من خلال قفز الحواجز، غير أن سيكون صحيحا أيضا أن العراقيين كانوا للأسف قد خسروا الرهان على وطنيتهم.

كانت الفلوجة تجسيدا لوطن سعى الاحتلال الاميركي إلى أن يمحوه، وها هو صمت العراقيين عما يفعله المالكي في غزوته للفلوجة يجسد عجزهم عن حماية جزء عزيز من وطنهم.