عـــالم بـــلا إرهـــاب، عالم بلا ظلم

بقلم: عبد القادر مختار

بداهة يعرف أي طبيب صحة عامة، أن معالجة أفراد مصابين بوباء ما، ليس إلا خطوة ثانوية في طريق القضاء على هذا الوباء.
فالجهد الأساسي يجب أن ينصب على كيفية إزالة كل الأسباب والعوامل التي أدت إلى ظهوره وساهمت في انتشاره، وبداهة أيضاً، يعرف أي سياسي، وليس بالضرورة أن يكون من طراز خاص، أن بروز ظاهرة إرهابية ما، وأياً كان لون العباءة التي تكتسي بها، يسارية أو يمينية دينية أو الحادية - إنما يكون نتاج ظروف موضوعية مشجعة تغذي نزعة متطرفة لدى مجموعة من الناس مرتهنة لشعور طاغ بالظلم من قبل قوى معينة.
مثل هذه البديهية يبدو أنها غابت أو غيبت عن أذهان أصحاب القرار والحل والربط في الدول التي تبنت مؤخراً مهمة القضاء على ما تسميه "بؤر الإرهاب" فانساقت تحت وطأة الرغبة في الانتقام للكبرياء المجروح في حادثة ناطحات السحاب الشهيرة للقيام بعمليات عنف مضاد لن تسفر في النهايـــة (حتى وإن بدت نتائجها الأولية مثمرة من وجهة نظر منفذيها) سوى إلى تأهيل نزعة التطرف والعنف العشوائي الذي تفرضه الأوضاع المحيطة وغير الإنسانية المزدهرة في ظل واقع الظلم والتفاوت الاقتصادي المخل بين الدول والجماعات البشرية وانتهاك أبسط الحقوق والمعايير والقيم الإنسانية، على امتداد مساحة المعمورة.
والمرء والحال هذه لن يجد غضاضة في استحضار صورة ذلك الرجل النزق الذي يحاول القضاء على الذباب (المعشش) على وجهه بواسطة مطرقة ضخمة ليطابقها مع الصورة التي تظهر فيها دول عظمى وهي تتحرك بقضها وقضيضها لملاحقة بضعة رجال لا يمثلون سوى عينة بسيطة لخلايا سرطانية بدأت تنتشر في كل أصقاع الكرة الأرضية بوثيرة هندسية متوافقة مع الإيقاع السريـع الذي تتخذه مسيرة الانهيار المرعب في منظومة القيم الإنسانية بدءا بمفهوم العدالة وانتهاء بالديمقراطية.
إن العلاج الناجع والحقيقي لظاهرة الإرهاب هذا إذا اتفقنا على تحديد تعريف ثابت لكلمة إرهاب . يتلخص أولاً في إقرارنا أن الظاهرة نفسها ليست سوى أبناً شرعياً للأجواء التي خلقت كل هذه الفوضى وكل هذه المشاعر بالظلم والاضطهاد والإذلال التي هيمنت على وجدان الملايين في العالم الثالث والعالم المتقدم، ومن ثم اشتراك الجميع دولاً وشعوباً في إعادة تأسيس قواعد جديدة باخلاقيات أكثر قرباً إلى المنطق والمفهوم الإنساني.
نعم إن عالما بلا إرهاب لا يمكن إلا أن يكون عالماً بلا ظلم وبلا تفاوت وبلا أعداء وبلا طغيان طرف على آخر .. وأي سبيل آخر لمحاولة اجتثات جذور الإرهاب لن يقود في المحصلة الأخيرة سوى إلى طريق مسدود.