عطش في وادي الرافدين

بقلم: د. محمد مسلم الحسيني

من ينظر لعذابات العراقيين وآلامهم يجدها مزدحمة متراكمة متفاقمة. ورغم أن أزمات العراق وأحداثه مستمرة مع حركة الزمن ومع مسيرة التاريخ، إلاّ أن العقود الثلاثة الأخيرة من عمر العراق نالت القدح المعلّى بالمصائب والمحن.
فالحروب الطويلة أحرقت رونق هذا البلد والحصار القاسي خنق روحه والإضطهاد السياسي شتت شمله والإحتلال الأجنبي دنّس نهجه والترهل السياسي خرّب كيانه والوهن الإجتماعي بدّل أخلاقه والأمراض الجسدية والنفسية نخرت عظامه والإرهاب الدموي أربك رشده والنفس الطائفي شلّ مفاصله والمستقبل المدلهم أفزع خاطره.
يعيش العراقيون في عتمة وحرمان ورعب وقلق، فهم رهينة بين مآسي الماضي وإرهاصات الحاضر وتهديدات المستقبل!
محنة شحة المياه والجفاف والتصحر هي دوامة جديدة لدى العراقيين تتفاقم تأثيراتها يوما بعد يوم، فالعراق يعتمد على 90 في المائة من إحتياجاته المائية على نهري دجلة والفرات. هذان النهران في طريقهما اليوم الى الإنحسار والإندثار، رغم أنهما منبع أقدم حضارات العالم! الأتراك لم ينفكوا عن حجز مياه هذين النهرين في سدودهم التي أنشاؤها والتي هي في طريق الإنشاء. لقد بنوا خمسة سدود مائية على نهر الفرات وسدين في طريق الإكتمال، وهناك مشروع لبناء 22 سدّا على نهري دجلة والفرات أي بمعنى آخر حجز مياه هذين النهرين في أراضيها وحرمان كل من سوريا والعراق منهما!
شحة المياه في وادي الرافدين أصبحت محسوسة ومؤثرة، فنقصان ماء الفرات أدى الى معاناة حقيقية لأصحاب الأراضي الزراعية الممتدة على طول ضفاف هذا النهر في العراق، فقد تقلصت كميات المياه الجارية في هذا النهر بشكل ملحوظ والانحسار المائي في تناسق طردي مع الزمن. فعلى سبيل المثال أن كمية المياه الجارية التي تدخل الى العراق في هذا النهر تقدر بـ 950 متر مكعب في الثانية الواحدة في عام 2000، بينما وصلت الى 230 متر مكعب هذا اليوم. وعلى هذا الأساس فأن كمية المياه المخزونة في سد حديثة العراقي قد بلغ 1.5 مليار متر مكعب من الماء في شهر مايس من هذا العام بينما حوى على أكثر من 8 مليارات متر مكعب في نفس الشهر عام 2007م. كما أن الإجمالي المائي العام لهذا العام في السدود العراقية ينحصر بـ "11" مليار متر مكعب في شهر مايو/أيار، بينما وصل الى أكثر من 40 مليار في نفس الشهر من عام 2006.
رغم هذا الانحسار الواضح والمؤثر في كمية المياه الواردة في النهرين فأن الأتراك لم ينفكوا عن نصب السدود الجديدة وحجز ما تبقى من مياه هذين النهرين. فبتمويل من بعض المؤسسات المالية في أوربا الغربية التابعة لكل من ألمانيا وفرنسا والنمسا وسويسرا، شرعت تركيا ببناء سد عملاق جديد أسمته سد " اليسو" على نهر دجلة في منطقة الأناضول قرب حدودها الجنوبية مع سوريا وذلك في عام 2006. يعتبر هذا السد، ثاني أكبر السدود المائية التركية ورابع أكبر مموّل للطاقة الكهرومائية في البلاد. هذا السد سينتزع 48 في المائة من مياه نهر دجلة المختزلة اصلا مما ينذر بكوارث إنسانية في العراق!
هنا يستطيع المتابع للأمور أن يتحسس الموقف ويحسب النتائج ويحلل الأسباب. فلماذا كلّ هذا الهوس التركي في صناعة هذه السدود؟ فإن كان إنتاج الطاقة الكهرومائية وتوسيع رقعة الأراضي الزراعية هما السبب، فهل هذه الفوائد تفوق ما قد يحدثه هذا العمل من مشكلات عويصة ومآسي اقتصادية وسياسية واجتماعية وإنسانية وبيئية واجتماعية عند الآخرين؟ أم أن كلّ شيء في الحسبان، بل كل شيء مرتب ومحسوب ضمن أجندة تركية خاصة تتضمّن فوائد كامنة تتأبط هذا المشروع؟
سد "أليسو" إذا ما أكتمل فأنه سيزيح ما يقارب 60.000 مواطن تركي هم في الغالب من الأكراد الأتراك عن أماكنهم وقراهم ومدنهم، ويجعلهم من دون مأوى حيث لا مناص لهم إلاّ الهجرة الى المدن الكبيرة وتغيير مسار حياتهم. فمياه هذا السد ستغطي مساحات شاسعة تقدر بـ313 كيلو متر مربّع، حيث ستختفي أكثر من 230 قرية وأكثر من 15 مدينة وهذا ما سيغير في ديموغرافية المنطقة وتكوينها البشري. كما ستدمر المياه مواقع أثرية قديمة تعود الى أكثر من 10.000 سنة تضم معالم سومرية ورومانية وعثمانية في مدينة "حسنكيف" الأثرية. وفوق هذا وذاك فإنها ستخرق مبادىء القانون الدولي القائل بتقاسم المياه بشكل عادل ومتساوي بين الدول التي تشترك في مسار الأنهار، وستحرم العراقيين من موارد عيشهم وأسباب رفاههم وستحوّل أراضي وادي الرافدين الزاخرة بالخضرة الى أراضي متيبسة وصحاري قاحلة أو على أقل تقدير الى أراضي غير صالحة لزراعة غالبية المحاصيل الزراعية بسبب حرمانها من الرواسب المائية التي تحملها الأنهار مما سيجعلها أقل خصوبة وأكثر ملوحة. كما سيكون لشحة المياه أثر في تغيير مناخ العراق وتعطيل مباشر لمحطاته الكهرومائية.
المياه صارت هذا اليوم سلاح يشهره الجار على جاره ويجعله وسيلة فعّالة للضغط السياسي من أجل تمرير الإرادات والطموحات. وتأريخ المعارك الدبلوماسية بين تركيا وسوريا والعراق يمتد الى أكثر من 80 عاما، فتركيا تمتلك المصدر وسوريا والعراق يبحثان عن تسوية دولية لتقاسم المياه. وقد وصل هذا الصراع الى مرحلة الحرب بين سوريا والعراق عام 1970، حينما بنت سوريا سدودها على نهر الفرات. وفي عام 1990 أغلقت تركيا حنفية ماء الفرات خلال شهر كامل وذلك لملأ سد أتاتورك مما أدى الى أزمة اقتصادية وإنسانية وسياسية. كما استخدمت تركيا سلاح الماء ضد سوريا عام 1999م حينما كانت الأخيرة تؤوي الزعيم الكردي، المتمرد على تركيا، عبد الله أوجلان.
إذن سلاح الماء سيشهر دون شك في يوم من الأيام بوجه العراق سواء كان ذلك عاجلا أم آجلا، لأن المصالح التركية في العراق متشابكة ومتداخلة، فهي تصبو الى أن تتبوّأ موقعا ضاغطا وحساسا في ماكنة صنع القرار العراقي. هناك الكثير من الأوراق المختلطة تنتظر التنظيم والترتيب، فلتركيا مصالح متأثرة ومؤثرة في العراق خصوصا بوضع العراق الحالي الذي يتميز بالهشاشة وعدم الاستقرار. يعتقد الأتراك بأن أكراد العراق يرسمون في هذه المرحلة حدود دولتهم المستقبلية، وهذه الدولة الجديدة إن تكونت فستكون عمقا استراتيجيا للمسلحين الأكراد الذين يحاربون تركيا. الماء سيكون ورقة ضغط فاعلة أمام أي تطوّر لانفصال الأكراد عن العراق، كما سيكون ورقة ضغط على أي حكومة عراقية تحاول أن تستخف بالثقل التركي في العراق أو لا تعطي أذنا صاغية للإملاءات التركية والمشاركة في صنع القرار العراقي الذي يمس مصالحها وطموحاتها. ففي العراق تقطن قومية لا بأس بحجمها من التركمان وهم أقلية تنظر تركيا لمصالحهم دون شك ولا ترضى بظلمهم أو مصادرة حقوقهم من قبل أي طرف من الأطراف. كما أن الأطماع التاريخية في مدينة الموصل في شمال العراق لا زالت تولّد حسرة ساخنة عندهم.
أما على صعيد المصالح الاقتصادية، فأن النفط العراقي الذي يمر في أراضيها، على سبيل المثال وليس الحصر، سيبقى مروره حكرا عليها دون غيرها وويل للعراقيين أن أرادوا أن يحرفوا هذا المسار، فلسان حال الأتراك سيقول: ماؤنا يجري في أراضيكم ونفطكم يجري في أراضينا!
وقد لا تتوقف الأمور عند هذا الحد فنظرية " الماء مقابل النفط " لا يمكن تسقيطها من أفكار الأتراك في المستقبل أبدا، فقد يستعمل الأتراك مبدأ "أعطوني نفطا أعطيكم ماء". ولم لا!؟ فان الماء العذب أهم من النفط الحارق! لكن هنا يتساءل المرء مع نفسه: ماذا سيعطي العراقيون للأتراك مقابل الماء إذا ما نضب النفط من حقوله النفطية!؟ فالماء دائم وأزلي وموجود منذ قرون وقرون لكن النفط ضيف زائل وهو في رحلة سفر قصيرة في الأراضي العراقية وسيرحل منها الى دون رجعة في يوم من الأيام. فما الذي سيحصل بسبب هذه المفارقة، فبين الدائم والزائل فراغ عظيم.... فكيف سيدفع العراق فاتورة مائه الى تركيا في ذلك الحين وكيف سيغدو العراق وهو مجرد من نفطه ومائه؟ هل ستزول الحضارة من أرض العراق وهي أرض التأريخ وأرض الحضارات!؟ سؤال أوجهه الى كل من يحمل الضمير والشيمة من الأتراك والى كل المدافعين عن حق الإنسانية ومستقبلها في كل بقاع العالم والى المنظمات الإنسانية ومنظمات المجتمع المدني العالمية والتي لولا متابعاتها وتصديها لما أوقفت الحكومات الأوربية، المشتركة في تمويل هذا المشروع، العمل في بناء هذا السد. إلاّ أن تجميد العمل في هذا المشروع لا يعني أبدا توقف تركيا عن المضي قدما في إنجازه لوحدها أو بمعية غيرها من البلدان. فأن خافت الحكومات الأوربية من لومة شعوبها ومنظماتها الإنسانية، فهناك الكثير من دول العالم من لا تخشى ولا تهاب من لومة اللائمين! د. محمد مسلم الحسيني، بروكسل