عضوية فلسطين بين مطرقة الأمم المتحدة وسندان الفيتو الأميركي

بقلم: د. أيمن أبو ناهية

إذا كانت الأمم المتحدة هي التي أول من قسمت فلسطين وهي أول من اعترفت بإسرائيل من طرف واحد كعضو دائم لديها دون الأخذ بالاعتبار أن الطرف الآخر - حسب قرارها 181 لتقسيم فلسطين لعام 1947 - لم يكن آنذاك جاهزا لتلك المعادلة غير العادلة، لأنه كان طرفا ضعيفا وواقع تحت هالة بطش الانتداب البريطاني المسير لتنفيذ وعد وزير خارجيتها آنذاك اللورد جيمس بلفور بما يسمى بـ"وعد بلفور" لعام 1917 بإنشاء وطن قومي للصهاينة في فلسطين.

ومن المعلوم أن الأمم المتحدة في أول نشأتها قد نفذت قرار التقسيم 181 وهو قرار توصية صادر عن الجمعية العمومية مخالفا لميثاقها على انه عملا عدوانيا وأكثر من ذلك أن ميثاقها يقر بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها ونيل استقلالها وحريتها. وأسوء من هذا وذاك أن ميثاقها يجرم التصرف بالأقاليم والبلدان دون موافقة أصحابها الأصلين فكيف أذنت لنفسها الأمم المتحدة التصرف بفلسطين دون موافقة الفلسطينيين اللذين وجدوا أنفسهم مباشرة بعد انتهاء الانتداب البريطاني تحت احتلال صهيوني جديد حتى يومنا هذا، بل إن قرارا التقسيم الاممي جلب الحروب إلى المنطقة وبالتالي أصبحت الأمم المتحدة مخالفة لمبادئها الأساسية التي تنص على تحقيق الأمن والسلم الدوليين.

فالأمم المتحدة التي تكيل بمكيالين، مكيال الضعفاء بعدم إنصافهم ومكيال الأقوياء بالتغاضي عن جرائمهم، تمر اليوم بامتحان قاصي لإثبات نفسها أمام هيمنة الولايات المتحدة الأميركية، وإلا ما الفائدة إذا كان الفيتو الأميركي ينتظر الاستحقاق الفلسطيني ولا مفر من ذلك، فلماذا يعد بان كي مون العد التنازلي ويستقبل مقعدا جديدا لدولة فلسطين كعضو في الأمم المتحدة؟ هل سيواجه بان كي مون الفيتو الأميركي بقرار أممي إلزامي من شأنه إبطال الفيتو وحينها لا تجرؤ الولايات المتحدة المغامرة بالفيتو؟ أم انه سيسحب عضوية إسرائيل مقابل الفيتو الأميركي وسيحيل قضية فلسطين من جديد على اللجنة القانونية للجمعية العمومية للبث في عضوية الطرفين؟ أو هل تستطيع الأمم المتحدة الآن وهي أقوى من ذي قبل اتخاذ قرار ضم دولة فلسطين عضو دائم لديها مثلما فعلت من قبل مع دولة الاحتلال الإسرائيلية؟

كل هذه الأسئلة تجعلني اشكك في مقدرة الأمم المتحدة من القدوم على فعل ذلك لأنها بجميع مؤسساتها وهيئاتها خاضعة للولايات المتحدة وهي التي تسيرها كيفما تشاء كلعبة الشطرنج حتى تكون هي القوة المهيمنة عليها دون تحدي، حين تحول قوانينها ومواثيقها لخدمة مصالحها وأهدافها السياسية كما تفعل ضد أي قرار أممي يدين إسرائيل بإشهارها الفيتو.

فالولايات المتحدة قد صعدت موقفها تجاه الخيار الفلسطينيين الأول وهو سعيهم بالحصول على العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة على حدود 1967، بعد أن اطمأنت إلى تعذر حصول الفلسطينيين على تأييد 9 أعضاء وأكثر في مجلس الأمن، لأنه أن توفرت هذه الأكثرية، ستلجأ واشنطن في النهاية إلى استخدام حقها باستخدام الفيتو ضد الطلب الفلسطيني من مجلس الأمن باعتراف بدولة كاملة العضوية.

وحسب التوقعات فان فرص الحصول على تأييد 9 أعضاء في مجلس الأمن للمطلب الفلسطيني تبقى ضعيفة، رغم وعود بعض الدول بالتصويت لصالح القرار وهي غير أكيدة بسبب مصالحها المرتبطة بالضغوطات الأميركية الإسرائيلية، ما سيعني عدم حاجة واشنطن لاستخدام الفيتو أصلا، ما دفع مبعوثيها دافيد هال ودنيس روس إلى استخدام لهجة قاسية وتقديم مطالب صعبة إلى الرئيس عباس على رأسها دعوة كافة القوى الفلسطينية إلى الاعتراف بإسرائيل وطن قومي لليهود، ونبذ العنف، وقبول الاتفاقات السابقة كاملة واستئناف المفاوضات فورا بحيث تسير حول الأمن والحدود سوية، شريطة أن تراعي هذه الحدود، التغيرات الديموغرافية والجغرافية التي حدثت خلال الأربعة وأربعين عاما الماضية من الاحتلال، وان تكون الدولة الفلسطينية العتيدة دولة منزوعة السلاح ولإسرائيل الحق خلال المرحلة الانتقالية (غير المحددة) التي تستوعب الترتيبات الأمنية قبل قيام الدولة الفلسطينية الحق في الدفاع عن نفسها بشكل مباشر.

يبقى الخيار الثاني، الذي ستسير فيه منظمة التحرير وهو تقديم الطلب من أعضاء الجمعية العمومية للأمم المتحدة بتأييد حق الفلسطينيين في دولة "غير عضو" (non-state) في الأمم المتحدة (مثل حال دولة الفاتيكان)، وهو ما وعد الاتحاد الأوروبي وبعض الدول تأييده، لكن يبقى هذا الطلب وإن حصل وأقرته الجمعية العامة، لا يحمل أي صفة إلزامية أو قوة قانونية، لكن تعتبره منظمة التحرير الفلسطينية مكسبا سياسيا ودبلوماسيا على أمل البناء عليه في المستقبل، ويبقى حاله مثل حال القرارات السابقة حبر على ورق.

كل هذه التوقعات ربما تحدث ولا غرابة في ذلك ويمكن أن يوفق الفلسطينيون بتمرير وإنجاح قرار عضوية فلسطين في الأمم المتحدة أو على الأقل تقديم طلب العضوية في الجمعية العمومية إلى ما شاء الله، لكن السؤال الجوهري يبقى عالقا في الأذهان وهو؛ ماذا يعني استحقاق أيلول لفلسطين وليس لعضوية فلسطين؟!!! هل تأكد الفلسطينيون أنفسهم من صلاحية ونفاذ قرار العضوية لفلسطين في الأمم المتحدة على المدى البعيد، وهل أن قرار العضوية في الأمم المتحدة سوف يجمع في ثناياه حلا لكل قضايا الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي؟ أم انه سيكون تكريسا للاحتلال من الناحية العملية تحت غطاء عضوية فلسطين في الأمم المتحدة من الناحية النظرية؟

وهنا لابد للطرف الفلسطيني من ضرورة الأخذ بعين الاعتبار القضايا الهامة والتأكد من عدم تعارضها مع خطوة طلب عضوية فلسطين في الأمم المتحدة حتى لا نندم في المستقبل على هذه الخطوة مثل أوسلو وحينها تبقى دولة فلسطين معلقة في الهواء، ولعلى اذكر أهمها وهي: تحقيق المصالحة الوطنية، حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم التي هجروا منها، إنهاء الاحتلال والاستيطان والحصار وترسيم الحدود والمياه، ولا تراجع عن القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، وعدم الإقرار بيهودية الدولة.

د. أيمن أبو ناهية

أستاذ الاجتماع والعلوم السياسية – غزة