عصر.. جديد من الإرهاب

إمتلاك تقنيات تفاجئ اضخم أجهزة أمنية

لم يعد الأمريكيون أو غيرهم يتخوفون من عمليات إرهابية كبيرة على شاكلة ما حدث في سبتمبر 2001، فالأعمال الإرهابية الكبيرة أصبحت تغري منتجي الأفلام السينمائية أكثر مما تنتمي لآخر الأنماط المتبعة في الفعل الإرهابي.

الإرهاب ذو الزخم الكبير يختفي اليوم لأن تحضيره يحتاج إلى سنوات ويتطلب تنظيمات متماسكة تستطيع أن تؤمن خطوط إمداد عابرة للحدود، ويبقى العامل الأسهل في الانتقال اليوم هو الأفراد الذي عليهم أن يتدبروا وبالحد الأدنى من العلاقات التنظيمية جميع الترتيبات اللازمة لضرباتهم.

ربما من المبكر الحكم على عملية أورلاندو بأنها تندرج ضمن الفعل الإرهابي وليس الإجرامي، إلا أنها في الوقت ذاته تمثل ذروة عصر الإرهاب الفردي الذي سيضع تحديات كبرى أمام الأجهزة الأمنية، لأنه ببساطة لا يمكن أن يجري تتبعه من خلال الوسائل التقليدية المتاحة، فأجهزة كشف المعادن والمفرقعات التي أصبحت شائعة في المطارات والفنادق وملاعب الكرة لا يمكنها أن تطلق صفيرها التحذيري عند مرور أصحاب النوايا التخريبية، والبقية في بلدان مثل الولايات المتحدة بوجود الأسلحة في كل مكان مع العصابات الإجرامية التقليدية التي لن تكترث بالأغراض التي سيستخدمها مشترو الأسلحة.

هذه النوعية من الفعل الإرهابي مرشحة لتتطور في حالة عدم العمل بجدية على اجتثاث داعش وغيرها من الجماعات في سوريا وليبيا تحديداً، خاصة أن كثيراً من المقاتلين يحملون جنسيات دول أوروبية ويمكنهم التنقل بسهولة بين العديد من محطات العالم، وبعضهم يمتلك القدرة على استخدام الأسلحة بصورة تفوق عمر متين الذي تسبب في مقتل 50 شخصاً وإصابة مثلهم.

معظم المنضوين تحت راية داعش من غير الأسوياء نفسياً، وسيضاف إلى عقدهم النفسية رغبات انتقامية جديدة ومطاردتهم لا يمكن أن تكون وظيفة دولة وحدها، وأي جهاز في العالم لا يمكنه أن يتتبعهم ويحول دون المخاطر المرتبطة بتواجدهم من جديد في المجتمع، وبالطبع فإن كل التدابير الأمنية تبقى غير فاعلة أمام المحرضين الذين يجتذبون الشباب من خلال تضليلهم بالخلاص المزدوج في الدنيا والآخرة.

إن ضرب أي نظام أمني في العالم يتمثل في القدرة على امتلاك تكتيكات وتقنيات تتفوق عليه، أو مباغتته بما لا يتصوره في مرحلة معينة من الزمن كما حدث في مركز التجارة العالمي 2001، أو مواجهته حيث لا تعمل التقنيات التي يمتلكها، وبعبارة أخرى التسرب من تحت النظام أو الحفر أسفله، ولذلك فإن مقاتلي داعش يعتمدون على أجهزة الهاتف القديمة التي لا توفر خاصية الاتصال بالإنترنت وذلك لأن تتبع الأجهزة الذكية يعتبر أكثر سهولة من الأجهزة التقليدية.

الإرهاب الجديد يعتبر يتخذ عالم من الأنفاق الافتراضية التي تخرج عن مدى المتابعة الأمنية ونطاقها، والقضاء عليه مسألة تتطلب أساساً تجفيف موارده سواء الفكرية أو المالية أو السياسية، وهو ما يجب تفعيله والعمل على صيانته بصورة مستمرة، وفي حالة تطبيقه في بيئة ما فإنه على الأقل يوفر تحصيناً ذاتياً ضد النزعات الإرهابية ويبقي التحديات قائمة فيما يتعلق بالإرهاب القادم من الخارج والذي سيجد صعوبة في توفير قنوات الإمداد والتواصل في الحد الأدنى ضمن بيئة تطرده وترفضه.

سامح المحاريق

كاتب أردني