عصر الرواية الرقمي قادم لا محالة

بقلم: عبدالواحد محمد
رقميات

من تكون مدينتي التي نستلهم منها الحرف الأول في كتابة روايتي الجديدة والتي أعياني فيها البحث عن حوار ممتد ومفتوح بلغة جديدة لا تعرف تعصبا أو تطرفا أو ابتذالا فيه رؤية تحكمها لعبة الأوهام والفنجان المقلوب؟
هي كما هي صديقتي ورفيقة دربي التي أسهمت في تكوين ملكتي الفكرية عبر رحلة طويلة من البحث عن فلسفة جديدة تترجم روح الرواية المعاصرة والواقعية في ظل الصدام النفسي والعقلي بعد رحيل شيخها الأديب الكبير نجيب محفوظ خير من أخلص لهذا الفن الروائي الحائر بين أوهام العابثين والباحثين عن جائزة يستحقونها بوعي مدروس؟
صديقتي ناهد الأديبة التي تتفجر قيما ومبادئ وإبداعا، والتي آنس وأحن لها دوما في غيم المطر وبرودة الشتاء وحرارة الصحراء فنحتسي معا فنجان قهوتنا المضبوط علي مقهي "الحرية" في باب اللوق بقاهرة المعز، نستمتع معا بحوار غير مألوف في علاقة أديب وشاعرة لا تعرف غير الحب لكل البشر حتي الذين ظلموها وادعوا عليها بالباطل أنها مريضة، ولا تعي ما تكتبه كثيرا رغم سنوات عمرها الشابة وحسنها الرباني، لكنها الغيرة العمياء التي قتلت كثيرا من مبدعين لم نعد نلتقي بهم كثيرا؟
وهي كما هي ناهد مازلت تواصل رسالتها نحو وطن بمنتهي الشفافية لم تكره أحدا يوما ما أو نالت بكلماتها من أحد رغم جروحها وآلامها؟
لذا تحكمنا لغة العقل، وهذا هو الجميل في صداقتي بها التي لم تعرف فراقا، منذ أن التقينا صدفة في إحدى ندوات الشعر في الأوبرا. رابطة خلقت عالما جميلا وجديدا فيه رؤية مفتوحة تترجم السطر الأول من روايتي الجديدة والتي لا تلعب فيها دور البطولة بل تشاركني الحوار بلا مقابل، وهذا هو الفن الحقيقي في التواصل مع من تحب؟
تجده دائما ينكر ذاته، لا يعرف غير رحلة تومئ بمكنون معرفي وثري وإنساني الخصال والأهداف ومما لا شك فيه أن ناهد غيرت من روح الرواية لي بوعي آخر بعدما اكتشفت متعة السفر إلى عواصم أخرى تحتاج منا لحوار يمتع كل من يقرأها لأننا في الهم شرق؟
تذكرت وأنا معها في المقهى حنيني لقراءة شاعرنا الراحل الكبير محمود درويش مرات ومرات أخرى، كحاجته لخبز وقهوة أمه، وذكراه الثالثة تهل علينا بعد أيام لكونه قامة ومفردا عميق الأغوار في مقاومة كل الأغبياء والتعساء الذين توهموا أنهم وحدهم الشعراء والزجالون والفنانون والحكماء، وهي أيضا تعشق محمود درويش الذي علمها الحرف الاول في نداء كل الأوطان، لم تسافر مثلي دون قصائده حتي لو كانت إلى قريتها القريبة من القاهرة في ريفها الجديد، والمهووس بالحداثة والحالم بمكنون حضاري، فوجهها كوجه نفرتيتي ومحمود درويش ظلها وظلي لعالم الرواية الشاعرة بكل ما تجسده من عمق وروابط مجتمع عربي كبير؟
دائما كان الحوار معها ترجمة صادقة لمختلف قضايانا بوعي ويقين أن العالم تغير، وهذا رائع جدا فقد أصبحنا أنا وهي لا نستغني عن فنجان قهوتنا واللاب توب كجزء من ذاكراتنا الجديدة والتي نرى فيه عالما آخر يحمل رسائل عديدة وهامة لكل المعنيين بالثقافة وكتابة الرواية العربية مثل شخصي المتواضع؟ فبدونه لا نعرف الخروج والدخول لعصرنا الذي هبطت عليه ثروة اسمها التكنولوجيا بكل ما تحمله من تناقضات عجيبة ومثيرة في الشكل والعنوان، لكن عصر الرواية الرقمي قادم هكذا كنت أدون على سطح المكتب عبر الوسيط الرقمي الحرف الأول من روايتنا جميعا الرقمية، وليست روايتي وحدي (عالمنا!) بمكنون فيه عمق اللحظة التي تجعلك ثريا من الحدث في التو ستحضر ما سنحضر وتطرد ما تطرد ليمنحك العصر عصرنا الرقمي لمحات حاضرة من كل المعاني التي تتصور أنها غائبة؟!
كما تذكرت برهة بآلم وحسرة، ودونت الحكاية بشكل رقمي متفاعلا مع كل الأحداث والهموم والقضايا الشخصية والعامة. كيف أدعت علي شاعرة بالباطل أنني لست مهموما بغير الرواية من الناحية الحرفية فقط دون الجوهر؟ وفهمت قصدها ربما ظنت أنني أعريها من قيمنا وعاداتنا الاجتماعية لأحساسها أنها بطلة روايتي، وهذا ظن يراد به باطل لأن الرواية تفتح كثيرا من علامات الاستفهام الحائرة عندي وعند آخرين، وربما هي البطلة فعلا لكن الجنس الأدبي له خط من واقع افتراضي وغير افتراضي لكثير من الصور لأنك لا تراها كنموذج واحد سامحها الله وسامحني وسامح كل البشر؟
أغلقت جهازي (اللاب توب) بعدما تأكدت من تدوين كل ملاحظاتي بدقة وتركنا المقهى، وأعددنا العدة لنتجول في الحي العتيق نتسامر ونغني معا ونحلم برؤية عالم نجيب محفوظ ثانية (عصره). إنه هناك يقيم مع حرافيش الثقافة في حي (سيدنا الحسين) وينتظرنا دون موعد في مقهى الفيشاوي، فقررنا البدء في كتابة الفصل الأول من روايتي بتدوينها في هوامش دفتر صغير، كما كان يفعل عمنا نجيب محفوظ والذي لن يفارقنا هنا في الحي الحسيني متى قررت الذهاب إليه، وهو عبارة عن نوتة صغيرة جدا لنمضي إلى الحي العتيق والقريب من باب اللوق سيرا علي الأقدام. ليس لنا حاجة لسيارتي إذا فمتعه المشي لا تعادلها متعة في حب لقاء نجيب محفوظ لنمضي معا في مودة عبر شارع الأزهر الكبير والمزدحم بالمارة ليل نهار مزهوين بمتعة لم نصادفها كثيرا في رحلة الإبداع ونحن نتطلع للمارة وتاريخ عريق لا يزال شاهدا على زمن وأزمان في حسن معماري يدهشك وأنت تمر بالقرب من قصر الغوري ثم وكالة الغوري (الذي كان فندق طبقة التجار قديما)، ليمنحك حوارا آخر في فاصل من رواية لم أختر لها بعد العنوان؟
فرق بين عصر رقمي وورقي ومشاهدات رقمية ومشاهدات تاريخية!
ثم تجد الجامع الأزهر شامخا بقبته التاريخية الرائعة كرمز إسلامي وثقافي، والذي أنشاه جوهر الصقلي على اليمين والجامع الحسيني على اليسار بمآذنته التي تحمل روح السلام للعالم. وروح مولانا وسيدنا الحسين رضي الله عنه تنفحك وتبارك خطواتك وتحصنك من غول الزمن وكل زمن فاصل آخر من الرواية الرقمية؟
معاني تستحضرك في قلب الحدث الذي لم نرتبه، ولم نخبر به عمنا نجيب محفوظ، فهو من الجيل الذي يرحب بالجميع لا يعرف غرورا صبيانيا كالذي نراه اليوم عند كثيرين للأسف بلا معنى؟
وعندما تستفسر عن السبب يقولون لنا بكل برودد: برستيج؟
فأضاعوا قيمتهم في مراتب الأغبياء وفقدوا حب من حولهم؟
ثم اقتربنا بعمق من (خان الخليلي) بعدما عرجنا إلى اليسار على الطرف الآخر من الطريق، وتملكتني أنا وناهد حالة أخرى من النشوة التي تجعلك كطائر أبو منجل التاريخي في الأهواز العراقية الساحرة، والتي هجرها الصبايا، ولكنها لا تزال محل نظر وعشق الجميع؟
الكل يستقبلك بابتسامة، وكأنهم يعرفون شكل كل قادم إلى عمنا نجيب محفوظ له قسمات معينة وطريقة في الحوار معهم ومجاملات لطيفة تشبه لغة التفاوض عند بحث موضوع ما أو استعادة جزء مفقود من ميراث هام؟ ودعوت خالقي بعودة القدس وكل الأوطان المغتصبة؟!
سرت في جسدي نشوة أخرى، وأنا أقترب من المقهى الذي تغير شكله وأصبح عولميا بدخان الأرجيلة الذي عبق الخان عن بكرة أبيه، وبدا كالمدينة المزدحمة والتي لا تعرف لها أولا من آخر ورنات الموبايل التي تؤكد أن الحي العريق تغير يشكل جنوني؟!
والأهم لدى ولدى ناهد الوصول إلى منضدة الروائي الكبير نجيب محفوظ لنصافحه ونستمتع معه بالجزء الأخير من الليل الربيعي بعدما قطعنا شوطا طويلا من حوار مفتوح!
فاصل ثالث من روايتي الجديدة الرقمية!
انصرف نجيبب محفوظ بعد دقائق من وصوله إلى مقهاه المفضل بعدما شعر بالزحام الهستيري وغياب شلة حرافيش الثقافة والإبداع والسمع الجميل، كما أخبرنا نادل المقهى الذي عرف كينونتنا من تلقاء نفسه، وكأنه طائر أبو منجل الأهوازي الذي رحل ولم يعد؟!
فاصل آخر من فصول الرواية الرقمية رحيل مؤسس الدراما التلفازية العربية بمنهجها الإبداعي التاريخي أسامة أنور عكاشة الذي فجّر فينا موسيقى التاريخ عبر نداءات عالم سليم البدري وعالم العمدة في "ليالي الحلمية" بكل ما تحمله من هم وعمق له أصداء لا تزال تترجم واقعنا وغدنا الذي نأمل أن لا تلوثه الثلاثة حروف القاتلة (جنس) الجسد العاري في كل مشهد من مشاهد الرواية والمسلسل ردئ الصنعة في عالم الأيتام؟
وتذكرت عصافير الكناريا في مسلسله الرائع "كناريا" وبطله سيد القوصي وهو يبحث عن نجاته من عالم الزحام القاتل والخانق بل الفوضوي والعابث بكثير من القيم التي تؤكد لنا عبر سطوره العميقة أن الفن خال من التلوث مثل الحب لا يعرف كرها!
استرخينا حقا أنا وناهد في واحة التاريخ ونحن نردد معا لم يمت أسامة أنور عكاشة وكل المبدعين؟
لنكتب معا بشكل رقمي كل فصول روايتي القادمة عبر هذا الوسيط بتلك المشاعر المتناقضة في بلورة صراع الراوي وواقعية عصر لم تسجن فيه الكلمة ولن تسجن بفعل تلك المتغيرات الأكثر حداثة "ثورة الإنترنت" التي منحتنا جواز سفر روائي جديد لنقف في مواجهة صادقة مع النفس والعقل الذي تحرر من أوهام وعلل الأزمان السابقة. عبدالواحد محمد ـ القاهرة abdelwahedmohaned@yahoo.com