عزيز التميمي يذكّر بتمرده في «الاضرحة»

عمان
خليط من الفنتازيا والفجيعة

يتحدى عزيز التميمي في إصداره الروائي الأول الصادر منذ أيام عن دار أزمنة للنشر في عمّان والسردي الثالث له عبر مسيرته الأدبية قيود الرتابة السردية والتصنيفات السائدة ليخرج لنا برواية لافتة الخصوصية أخذ منه العمل على إنجازها ما يقرب من ثلاثة سنوات. وعندما نعلم بأن الرواية شاملة المقدمة التي كتبها علي السعدي تقع في ثمانين صفحة فقط، فإن علينا أن نعرف منذ البدء كم من التكثيف علينا توقعه وخاصة لمن سبق وقرأ للكاتب وتعرف على بعض عوالمه ولكننا لن نستطيع أن ندرك ذلك حتما قبل أن نفرغ من قراءة الأضرحة بل وقد نحتاج إلى قراءة أخرى نستكشف فيها ما أراد الكاتب في هذا المنجز المتمرد الذي يتخطى الثوابت الزمكانية وتقسيمات الفصول ولا يكتفي بتحطيم الأطر الشكلية للسرد الروائي وحسب فنحن أمام نص لا يمنح نفسه بسهولة ودونما خيال خلاق يستثيره الكاتب في قارئه عبر تتالي المشاهد اللغوية العاملة على جدار ذاكرة أرهقها التعب واحتلتها المكائد وتسيدتها مشاهد الحزن و الفجيعة فغدت الغرائبية أحد مكوناتها في الوطن/المنفى الذي لا يكل من الحروب.
تنطلق الرواية بروح حداثية تجوسها منذ الغلاف الذي صممه الروائي الأردني إلياس فركوح وتضمن لوحة للفنان العراقي شاكر الركابي إلى مشهدها الأخير حيث نترك المرأة المسكونة بالهوى تتنقل بين الأضرحة في ليلة القدر ونعود ننبش في ما اختزنت الذاكرة من عوالم عزيز وحوار شخصياته الذائبة فيها ونتهجى هواجس الكاتب أو رؤاه باحتفالية خاصة سيدتها الأولى اللغة المشبعة بالانزياح الدلالي وبمنظومة لا نهائية من الرموز والمفردات والصور المنثالة التي تتحرك في دوائر تتداخل وتتوازى بين واقع فنتازي وخيال من القص الخلاق ننتقل معه في أكثر من زمان ومكان عبر مفازات داخلية مرهفة التشكل و نتلفت لنكتشف أن لا زمان ولا مكان فعزيز يتمرد على كل تلك الموروثات ولا يحصر حتى شخصياته بأسماء لأن الأسماء كغيرها زوائد لا تعني النص والكاتب في شيء.
وتأخذنا شخصياته في تنقلها بين الأمكنة المتماهية في أزمنتها وذوات شخصياتها من قرية الكهنة وبلاط ملك الصخور ثم ننظر في أوراق مدينة سر من رأى ما نتهجى فيه رؤى الكاتب وأحلام شخصياته الموجوعة ونتفق معه على لعن الحرب أحد أبطال روايته غير الأبطال والتي تلقي بظلالها السوداء وتحفر في النفوس و الأجساد نقوشها المسمارية الخاصة دون أن تظهر بشكلها التقليدي فلا دماء ولا دموع ولا ضحايا ولا استنكار إلا للأنابيب التي توثق عجز الرجال العائدين منها تقوم به بسخرية مرة النساء التي تتحول إلى قطط شبقة يضمر الحب في صدورها مع تضخم الرغبات التي تأكل الجلود في سنين الجدب والانتظار للمخلص الذي قد يأتي به التمسح بالضريح "المعبود" مع الله في مدينة اعتادت ولادة المسوخ والرمي بهم في الطرقات عندما تشوهت الذاكرة الجمعية بصورة الكائن الطاغية الذي لم يجد حلا لعجزه إلا بإصابة الآخرين جميعا به كما أوصت بذلك نبوءة مجنونة.
وتمضي الرواية لتشعل في الأذهان جمرا من الأسئلة المتوقدة لا تخلو من لذة متوثبة ولنا أن نقول أنها قد تكون الرواية العربية الأولى التي تتناول الحرب بهذه الفنية الفائقة وتسطر عالمها الأسطوري في سفر السرد العربي ودون الوقوع في شرك التألم ووخز الشظايا واستدرار الدموع و تلميع السلاح و تراكمات الشتائم أو الانجراف إلى المكرر الجاهز الذي قد يناسب الإعلام اليومي لا الإبداع الخالد.
أحيي الكاتب عزيز التميمي على إنجازه الذي أثبت نفسه فيه كروائي قادم من وجع المنفى إلى وطن من الفن الروائي الحداثي يتهيأ له على هواه ليخط وشمه الخاص وأهنئ للرواية العربية أحد فرسانها الذين يشغلهم الهم الإبداعي والكتابة للتجاوز فيتفوق على نفسه كل مرة ولا يحمل إلى المطبعة إلا ما يستحق العناء.
للكاتب التميمي مجموعتين قصصيتين الأولى مشتركة مع فاضل القيسي بعنوان "نصوص" صادرة عن وزارة الثقافة العراقية عام 1993 والثانية بعنوان "تميمة الميعاد" صادرة عن دار الهادي في بيروت عام 2000، و"الأضرحة" هي الرواية الأولى المطبوعة للكاتب وصادرة عن دار أزمنة للنشر في عمّان 2004. رقية كنعان – عمان، الأردن