عزيزة بحر الباجي تحلم بمعرض دولي باليونسكو

تعدد الألوان الفنية بين التراث والمشاهد والوجوه. وجربة في القلب كحالة وجدانية وجمالية عميقة.


الفن حمّال معان راقية ومجمل حالات ومكمن أحلام عالية تجاه الضجيج والانهيار 


لعبة الفن يستعيد معها الفنان شعرية الفكرة وهي تنبثق من الأمكنة في بهائها النادر

للألوان أسرارها وأمكنة تجليها، ولها من سفر الحال والأحوال مجالات قول ونظر وتأمل بعناوين شتى منها الحنين الآسر والذكرى في بهائها السيمفوني كلحن بدوي لم يعرف المدن وضجيجها المقرف. للألوان حميمية الأفعال والأسئلة والنظر. إنه النظر العميق بعين القلب لا بعين الوجه.
الألوان هنا عنوان وجد وأمنيات ونشيد كامن في الوجوه والتفاصيل واليومي بما هو حياة وحلم. إن الألوان تصرخ وتغني وتنتبه وتصغي وتفعل كل شيء كالكائنات الأخرى.
هكذا نلج عوالم طفولة مفتوحة على الأزمنة والأمكنة. حياة بطعم الألق والود والمحبة تمنح سرها عبر الألوان للآخرين نشدانا للجمال وتقصدا للإبداع وقولا بحميمية فارقة تجاه الآخرين والعالم.
نعم العالم يبدأ من البيت والحي والقرية ليظل مجال حوار يأخذ الفنان في حله وترحاله يستدرجه لبيت الإبداع والإمتاع والمؤانسة بكثير، والآه.. هي آه الحنين والوفاء النادر للجمال وممكناته وحكاياته وأشيائه المبثوثة في المشاهد والأمكنة والعناصر والتفاصيل.
ندخل عوالم الفنانة التي هامت باللون والرسم منذ طفولة ما زالت تقيم فيه حيث الفن عندها حالات تذكر جمالي تجاه القبيح والمربك والساقط في أكوان بمتغيراتها المدوية تسعى لتشييء الكائن وجعله مقيما في أزماته  ومتروكا مثل متحف مهجور.
الفن حمّال معان راقية ومجمل حالات ومكمن أحلام عالية تجاه الضجيج والانهيار. إنها لعبة الفن يستعيد معها الفنان شعرية الفكرة وهي تنبثق من الأمكنة في بهائها النادر.
المكان هنا معتبر ونعني الجمال والحلم حيث الخطى الأولى والتلوين البريء والبدايات. المكان مكانة، نعني جربة. 

fine arts
إبداع إنساني

هي حكاية فنانة بدأت الرحلة الفنية من جربة وتعددت بعد ذلك أمكنتها وجهات إلهامها لتتعدد ألوانها وأعمالها الفنية تعدد حالات حلمها وأحاسيسها .
الفنانة التشكيلية عزيزة بحر الباجي نهلت من المكان كذاكرة وحياة وبرمزية ضاربة في الزمن. من جربة انطلقت لتتعدد معارضها ومشاركاتها الفنية التشكيلية وآخرها المعرض الجماعي بدار الثقافة المغاربية ابن خلدون، إلى جانب الفنانين ابني الجزيرة الطيب زيود ومحمد الخامس المصراتي وذلك ضمن عنوان دال وهو "ريحة جربة".
لوحاتها توزعت على تلوينات شتى بين المشاهد والأمكنة والبورتريه والطبيعة الميتة وغيرها. تنظر في اللوحات لتسافر في المشاهد الأخاذة منها عطور الحالات الجربية في الشارع والسوق واللباس التقليدي وصولا للأوجه المنتصف الحالة والنظر ووجه الطفلة غزالة الطافح بالبهجة العارمة حيث اللون عنوان براءة وحلم في تناسق جمالي دال على التشبع بالموضوع والمشهدية العميقة.
هامت عزيزة بفنون الرسم لترى العالم علبة تلوين ومتنت صلتها في كل ذلك عبر الفنانين  الإيطالي ديماتشيو والجزائري أحمد بلاب والتونسي طارق الفخفاخ، وهي التي تخصصت في دراستها في العلوم القانونية. مضت مع الفن التشكيلي تحمل جربة في القلب وما به تزخر من سحر وبهاء جمالي نادر تستنطق حالاتها ووجدانها وتاريخها العريق بتعدد ثقافاته والحضارات العابرة به وصولا الى جربة الآن وهنا.
جربة هذه الفاتنة. وأنت تمضي إليها. تشعر بشيء من السحر ينتابك بحيث يصعب أن تغفل للحظة عن القول بالعذوبة والدهشة والحنين تجاه ما تراه  العين. وأما النظر هنا فهو بعين القلب، لا بعين الوجه. هي الأرض التي تأنقت عبر العصور من الحقب التي مرت بها تعلمت فن الجمال. كيف لا وهي المحفوفة بالماء الأزرق سرها الدفين. القباب عناوينها. والمنازل المثقلة بالحكايا. وهل ثمة حكايات باذخة المتعة غير تلك التي عرفتها الأرض القديمة قدم ناسها.
قمر..
ونخيل ناعس
وأحلام زرقاء ..
وخضراء
للرعاة 
وللبحارة  في غنائهم الأبدي
المأخوذ بالشجن العظيم.
ثمة إذن ما يغري بالنشيد وبالنظر..
من الفينيقيين والبونيقيين والنوميديين والرومانيين والبيزنطيين .. إلى الفتح الإسلامي، كانت جهة للراحة وللعناق الرومانسي بين الأرض والبح ..جربة.. المكان والمكانة.. هكذا كانت وهكذا ارتسمت في الكلام وفي الألوان وفي الخيال الفادح. البشير الكونيالي، المنوبي زيود،  محمد الخانس، وغيرهم، لتبقى الحكاية مفتوحة على مصراعيها مثل أبواب المنازل بميدون وحومة السوق وقلالة والمحبوبين. 
إنها حكاية وجد من حكاياتنا العربية التي يغمرها ألق هذا الكائن الإنساني في حله وترحال.
تمضي إذن مع الجادة فترى البسمة على وجوه الأطفال عنده تقترب من مدرسة سيدي ياتي. هي البراءة المأخوذة من موسيقى البحر الفاتن والتربة الناعمة. تجلس في الفضاء الأنيق المحلى بالمرقوم وبالأدوات التقليدية الجربية حيث الشاب الحالم العائد من أرض الإمارات وقد شذب المكان وزينه دون خروج عن جماليات المكان الوفيرة. تجلس وتحتسي القهوة وترسل نظرك بعيدا لترى جواهر الأشياء وعناوينها البارزة بعيدا عن هموم العولمة ورياحها الملوثة والقاحلة. وبلغة أخرى تذهب مع الأصل.. أصل العناصر والتفاصيل..
في فضاء القبة تشرب شايا وتستمتع بالنقوش .. لا كوبول. فسحة أخرى من الجمال المبثوث في اللوحات المعلقة، وفي كل ما يرتسم وينحفر على الخشب الناعم. 
تلقي بالنظر فترى الأشجار، النخيل والظلال والقباب والأبواب والأقواس والأزقة حيث عبث الأطفال الممزوج بايقاع النسوة العابرات لشؤون الحياة الشتى. والرجال من صنّاع مجد الجزيرة والمجد هنا هو الحلم والتواريخ.
البحر ..
القباب..
الأبواب ..
الحوانيت ..
المنازل..
الأقواس..
الأزقة المتسعة في ضيقها..
الباعة ..
الرجال..
صخب الأطفال..

.....
لكل هؤلاء ولأجلهم..
تقف المرأة ملتحفة بالدهشة ...
وبالبياض.."

فن تشكيلي
الفن واحة سلام

أذكر الآن ألوان  وأحوال وأشجان جربة التي ابتكر ظلالها ونقلها الفنان الكبير الكونيالي  إلى بياض القماشة. فضاءات لوحاته بكثير من المتعة والإبداع. وهو في خلوته الفنية بحومة السوق. من هذه الأحوال الفنية لجربة هذه الأيام. تلك المساحة التشكيلية من شتى التلوينات والاتجاهات والأشكال. وأنت تتجول بالمكان الذي هو ميدون. تقودك خطاك طوعا وكرها إلى عوالم التلوين والرسم والفنون.
من كل هذا ملأت الفنانة عزيزة بحر الباجي خزان ذاكرتها ودأبها اللوني وعشقها للرسم. فنانة حملت شيئا من روح وعطر وأنفاس جربة حيث ألق التواريخ وجمال المشاهد بين سماء وأرض وبحر وأهل في تناسق مفتوح على الهدوء والموسيقى الخافتة.
تنوعت أعمالها وعناوينها ونذكر منها غزالة والنسوة ومشهد السوق وعم سعيد وقلالة وقهوة الشجرة بميدون والتغمبيزة والزكار والطبال والتراث وللا حضرية والانتظار والقرنيط وشاطئ الجزيرة والقافلة والبطيخ وغيرها.
الفنانة عزيزة بحر الباجي تعمل على مواضيع أخرى وبنفس متجدد وترى في الفن واحة سلام وحوار في حس إنساني بليغ وتحلم بمعرض دولي باليونسكو مثلا فيه لوحات تختزل مكونات التراث الجربي من لباس وعادات وتقاليد ولباس ومشاهد وفق رسالة من فنانة للعالم تقول بالحوار والتعايش والتسامح  تحت عنوان الفن بما هو إبداع إنساني. 
هذا وتعد الفنانة بحر لمعرض بالعاصمة يجمع عددا من لوحاتها وفيه حيز من تجربتها الفنية التي تواصلها الآن بكثير من العشق والشغف والحلم، فالفن بالنسبة إليها متنفس وإبداع ومجال للابتكار والمحافظة على الجميل فينا وتثمين التاريخ الجميل والتراث والاعتزاز بالشخصية والهوية في هذا العالم المعولم.