عرفات وفرنسا والحصار... مفارقات ومواقف

بقلم: د. علاء أبو عامر

من الطبيعي أن يمرض الإنسان كبيراً كان أم صغيراً شيخاً كان أم طفلاً، زعيماً كان أم وضيعاً ومن الطبيعي أن يقلق الناس على شخصٍ يحبونه ويخافون عليه. ولكن أن يكون هذا الشخص هو ياسر عرفات فذلك يدخل الهم الإنساني بالسياسي فقد مثل الرجل وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود من السنين القائد والرمز والقضية بالنسبة لشعبه وأمته. من هنا تزاحم مئات الأشخاص إلى مبنى المقاطعة عندما تناهت إلى مسامعهم أن رئيسهم وقائدهم يرقد على فراش المرض أما نحن البعيدون عن رام الله فقد هزنا الخبر وجعلنا يقظين طوال الليل نترقب كل جديد فلم نسمع إلا أخبار متناقضة كلها كانت تصب في اتجاه غير الاتجاه الذي نتمناه لزعيم عرفناه منذ طفولتنا فكبرنا معه وكبر فينا وناضلنا خلفه ورددنا في مسيراتنا الحية اسمه هاتفين "بالروح بالدم نفديك يا ابوعمار" فيصحح ندائنا ويقول : " بالروح بالدم نفديك يا فلسطين..."
عندما كنت مازلت طالباً على مقاعد الدراسة في الاتحاد السوفيتي السابق سافرت في إحدى العطل الشتوية ضمن مجموعة سياحية إلى جمهوريات البلطيق الثلاث لاتفيا، استونيا، ولتوانيا وكنت أضع الحطة أو الكوفية الفلسطينية على كتفي مميزاً نفسي عن تلك المجموعة التي كانت ترافقني من السياح معتزاً بوطني وبفلسطينيتي. يومها اقتربت مني سيدة استونية وقالت لي: هل تبيعني هذه "العرافاتكا " لم أفهم قصدها في البداية فسألت مستفسراً ماذا تعنين فوضعت يدها على الكوفية وقالت أقصد هذه فطلبت منها أن تعيد الكلمة فكررتها هكذا "عرفات كا" نعم حطة ياسر عرفات سألتها من أين آتيت بهذه التسمية فأخبرتني أليست هذه هي الكوفية التي يلبسها ياسر عرفات قلت لها: نعم وهل تعرفيه؟ قالت : ومن لا يعرفُه. قلت: وهل تحبيه؟ قالت: ومن لا يحبه؟ نزعت الكوفية وقدمتها لها هدية... علمت فيما بعد من أصدقائي أن هناك من يعرفون الرئيس عرفات ولكنهم لا يعرفون موقع فلسطين على الخارطة. لقد مثل القائد أبو عمار القضية وجسدها في حله وترحاله قاطعاً العالم من أقصاه إلى أقصاه ليُعرف العالم بقضية شعبه فعرفهُ الجميع ومن خلاله عرفوا فلسطين التي ليس لها مكان على خريطة العالم بين الدول ولكنه كان دائماً الزعيم العالمي ذو الحضور الدائم والممثل الفذ لتطلعات كل الفلسطينيين الذين يختلفون معه ولا يختلفون عليه..
***
يذكر عرفات عندما يذكر زعماء القرن العشرين الكبار لينين، ستالين، تشرشل، ديغول، كينيدي، هوشه منه، ما وتسي تونغ، فيديل كاسترو، تشي غيفارا، عبد الناصر، جواهر لال نهرو، غاندي، صدام حسين، تيتو، نيلسون مانديلا....وآخرين.
ولكن نيلسون مانديلا وهو أحد أبرز عظماء القرن العشرين يعطي لياسر عرفات بعداً إنسانياً ونضالياً آخر فيقول: "إن الرئيس ياسر عرفات سيبقى دوما رمز البطولة لكافة الشعوب التي تقاتل من اجل العدالة والحرية في العالم ولذلك هو يحظى بمحبة واحترام العالم، إن جدية الرئيس عرفات، وثقته التي لا تهتز وإخلاصه في نضاله من أجل إقامة الدولة الفلسطينية، هي نموذج يحتذى به الكثير من الناس على وجه الأرض". وشدد على أن "الظروف التي كان يعمل بها الرئيس عرفات لم تكن سهلة ولكن كما قال لي في اجتماعنا الأول في جنوب أفريقيا، إن الصعوبات والعقبات التي تواجهه لن تردعه، بل بالعكس تزيده قوة وتمنحه المزيد من الحماس، وتجعله يضحي بنفسه من أجل إحقاق الحرية لشعبه".
وتابع إن "الزعيم عرفات هو الذي أتى بشعبه إلى المسرح الدولي، محوله من قضية لاجئين إلى قضية أمة... لقد أعجبنا بنضاله المتواصل، مبتهجين بإنجازاته، ولقد وصله صوتنا ودعمنا".
كثيرة هي الكلمات التي ممكن أن تقال عن هذا الرجل العظيم الذي قادنا من محطة نضالية إلى أخرى ومن محطة مصيرية إلى أخرى فطبع بصماته على حياتنا أفراداً وشعباً وربما كان أجمل ما قيل فيه هو ما كتبه الوزير اللبناني كريم بقردوني حيث قال: "ليس اكبر من وطن ولد في ضمير رجل وليس أعظم من رجل أعلن ولادة دولة هذا هو ابوعمار يحول الثورة المسلحة إلى دولة يعترف بها ثلثا دول العالم دولة أرضها محتلة لكن شعبها حي ينتفض مازال الغرب يتساءل اهو إرهابي؟ أم مقاوم؟ والشرق حائر فيه اهو وطني؟ أم مقامر؟ بعضهم يجلونه فيرون فيه معجزة لا بل أسطورة وكثيرون يمقتونه فيصفونه بالمهرج والانتهازي أما هو فيعد نفسه الرقم الصعب ويشبه ذاته بطائر الفينيق الخارج أبدا من تحت الرماد وبنظري انه قائد ثورة ورجل دولة هذه هي خصوصيته وهذا هو امتيازه.. لقد عرف العالم قادة ثورات كثيرين تحولوا إلى رجال دولة وبعض رجال دولة قادوا ثورات لكن لم يشهد العالم سابقة قائد يدير ثورة من خارج أرضها ويترأس دولة لا ارض لها انه يقود أطول ثورة في العصر الحديث ويعمل في اخطر منطقة من العالم وفي الزمن الصعب ".
***
بين عرفات وفرنسا قصة حب ومفارقات فهو يعشقها لمبادئها الثورية ولأخلاقياتها العالية فهي تقف إلى جانبه في كل المحن والمواقف ويرد لها الجميل كلما استطاع إلى ذلك سبيلا وقد سبق لفرنسا أن أنقذت عرفات عندما كان الجيش الإسرائيلي يحاصر بيروت ويدكها بالقذائف والقنابل بحرا وبرا وجوا عام 1982 ونقلته إلى تونس. وسبق لها أيضا أن ساعدته وهو محاصر في طرابلس مع مقاتليه ونقلته على متن سفنها إلى تونس أيضا... وصف الكثير من الكتاب والسياسيون الفلسطينيون مواقف الرئيس شيراك بعد زيارته المشهودة للقدس بالمواقف الأكثر ثورية وصدقية من زعيم عالمي ليس بعربي وقد كان شيراك عربي أكثر من كل العرب في زيارته تلك... فرنسا أيضاً... وأيضا وقفت معه في حصار المقاطعة ومنعت الاتحاد الأوربي من أن يحذو حذو الولايات المتحدة في مقاطعة عرفات وعزله، كانت فرنسا في ذلك عربية أكثر من كل العرب وهاهو عرفات المحاصر والمريض يلجأ إلى "الدكتور شيراك" الذي لديه دائماً العلاج وهو اليد التي تؤازر شعبنا في هذا الغرب الذي عبر الكثير من أبناءه عن الحب تجاه شعبنا وأتى الكثير منهم ليتضامنوا معنا ومنهم من سقط شهيداً على تراب أرضنا ودفاعاً عن بيوتنا، وفي الاستفتاءات الشعبية رفضوا الاحتلال والعبودية معلنين وفي أكثر من مناسبة أن أعدائنا هم أعداء الحرية والإنسانية ومجرمِي الحروب والخطر الداهم على العالم... وليس الشعب الفلسطيني المستضعف... في روما، ابلغ شيراك مؤتمر صحافي عقده على هامش توقيع الدستور الأوروبي "أن فرنسا حين تستقبل مسئولا فلسطينيا مريضا تستجيب لتقليد عريق هو أن فرنسا هي ملجأ ومفتوحة للضيوف". كما بعث وزير الخارجية ميشال بارنييه من الهند إلى الرئيس عرفات برسالة بالمعنى نفسه قال فيها "آمل أن تتمكنوا بسرعة من استعادة مكانتكم على رأس السلطة الفلسطينية".
كثيرة هي الكلمات التي يمكن أن تقال في هذه المناسبة الأليمة عن أبو عمار ولكن ليس في مقدورنا إلا أن نقول الله معك وليحفظك من كل مكروه وترجع بالسلامة إن شاء الله إلى شعبك الذي تحبه ويحبك. د. علاء أبو عامر
أستاذ العلاقات الدولية – غزة