عرفات: هل يبقى رئيسا للفلسطينيين، ام يتحول لرمز فقط؟

مخيم خانيونس (قطاه غزة) - من شهدي الكاشف
عرفات يواجه اختبار داخليا قاسيا هذه المرة

لم يخف الكثير من الفلسطينيين الذين يقطنون في قطاع غزة المحاصر بالدبابات الاسرائيلية خيبة املهم من بقاء الاوضاع على ما هي عليه وتطلعهم لتغيير شامل في حياتهم السياسية، رغم تحفظ الكثيرين منهم على الوضع الحالي لياسر عرفات الذي ما زال في نظر أغلبهم الزعيم الاوحد والرئيس الدائم الذي وعدهم ولا يزال بدولة وحرية واستقلال.
وكان عرفات "72 عاما" قد استجاب لدعوات الاصلاح التي نادى بها خصومه ومناصريه على حد سواء، وإن كان بعض الفلسطينيين يرونها موجهة أساسا لوأد الانتفاضة الفلسطينية المستمرة منذ ايلول/سبتمبر عام .2000
ويرى محمود ابو شريعة مدرس التاريخ بإحدى مدارس وكالة اللاجئين في مخيم خانيونس "ان شارون يريد ان يتحول عرفات الى (رئيس فخري) ويترك المفاوضات والسياسة لشخص آخر يبيع الارض ويعتقل الفلسطينيين". وأكد أن "كل قضية الاصلاحات التي نسمع بها فقط هي لاشغال الناس بمشاكلهم وترك شارون يحل مشاكله الداخلية".
ويقول ابو شريعة "لو كانوا يريدون الاصلاح لسعوا اليه منذ زمن طويل، لكنهم يريدون ضرب الفلسطينيين ببعضهم".
ولا يوجد شك في أن الرأي الفلسطيني يقف مع تغيير شامل في كل هيكلة النظام الفلسطيني، إلا أن المشكلة هي في نظر البعض وضع عرفات نفسه في هذه التغييرات وهو الذي "قضى زهرة شبابه في مقاومة الاحتلال ويجب ان نقف معه"، كما يقول سالم ابو خوصه "33 عاما" من نشطاء حركة فتح في المخيم.
ويقول ابو خوصة "ياسر عرفات هو رمز هذا الشعب، ولا يمكن ان نحكم على تجربته من خلال بعض الرموز الفاسدة الموجودة حاليا"، مشيرا الى "ان الشعب الفلسطيني يستفيد من دروسه، وأكيد سينتخب قيادة شابة ونظيفة تكمل الطريق مع الرئيس ابو عمار".
غير ان هذا الموقف ليس خيار الجميع الوحيد ، فأبو خالد "56 عاما" كما يلقبه جيرانه في منطقة الحي النمساوي غرب خانيونس، يقول "يجب ان تنتهي عقدة الرمز" وأن يحدد عرفات موقفه بلا مواربة.
ابو خالد، الذي قتل أخيه برصاص الجيش الاسرائيلي خلال الانتفاضة الحالية، يطلق لحيته منذ ذلك الحين ويقول "لم يمت اخي او ابناء هذا الشعب في الانتفاضة من اجل ان ينعم القادة ويجوع اهل المناضلين".
وتقول سليمة ياسين والدة احد الشهداء الاطفال "اذا لم ياخذ عرفات بثار محمد فلا نريده .. وخلي واحد تاني يكمل اللي بداه".
وكان المجلس التشريعي الفلسطيني قد دعا عرفات الى تشكيل حكومة "تسيير أمور" خلال اقل من 45 يوما تتكون من تسعة عشر وزيرا بدلا من 30 وزيرا حاليا وتعد للانتخابات الرئاسية والتشريعية المزمع عقدها مطلع العام القادم، كما تقدم تقارير حول قضايا الاصلاح والفساد الاداري واعادة الهيكلة القيادية في غضون الاشهر القادمة.
ويقول وزير الاشغال العامة الفلسطيني عزام الأحمد، المكلف بلجنة الاصلاحات في المجلس الوزاري الفلسطيني، "ان الرئيس عرفات اتخذ قراره بالفعل وبدأ باختيار تسعة عشر وزيرا"، في اول اجراء يتخذه الرئيس لتقليص حكومته الثالثة.
ويقول الاحمد ان المجلس والقيادة الفلسطينية ما يزالان يدرسان قضية استحداث منصب رئيس للوزراء غير ان ذلك لم يحسم بعد.
وبين رغبة الفلسطينيين في الاصلاح ورغبتهم في الانتقام يقف ياسر عرفات امام موقف هو الاصعب لقائد تاريخي لشعب محتل تعصف به تيارات وقوى داخلية وخارجية وازمات واحتلال يقتل ويغتال ويقتحم وينسف يوميا.
وكان "ابو عمار"، كما يحب شعبه ان يناديه، قد حاز على نسبة 83 في المائة من الاصوات في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الاولى في كانون الثاني/يناير من عام .1996
اما الموقف الحالي فهو ما يحتاج الى قراءة معقدة، فقد خسر عرفات بسرعة قياسية اوسع تأييد عربي وفلسطيني واسلامي ومسيحي عندما حاصرت الدبابات الاسرائيلية مقره وقصفته بالرشاشات لنحو اربعين يوميا.
ويردد الفلسطينيون حتى اليوم اغان كثيرة اذاعتها المحطات الفلسطينية الاذاعية والتلفزة الخاصة والرسمية من بينها اغنية "صامد يا غالي يا ابو عمار وجبينك عالي".
الا ان هذا الحماس والتأييد سرعان ما انقلبا الى انتقادات لاذعة وصلت إلى حد الشتائم على بعض المحطات العربية بعد موافقة عرفات على تسليم ستة من المطلوبين الفلسطينيين الذين احتموا بمقره المحاصر، ومن بينهم احمد سعدات الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ليتم سجنهم في اريحا بحراسة بريطانية وامريكية، وبعدها بايام موافقته على ابعاد ثلاثة عشر فلسطينيا تعتبرهم اسرائيل مطلوبين لها من كنيسة المهد في بيت لحم الى خارج ارضهم.
وكان شارون قد دعا مؤخرا الى تقليص صلاحيات عرفات لان ذلك على حد قوله قد يجعل من الانتخابات الفلسطينية القادمة ذات جدوى في قضية الاصلاحات الادارية والهيكلية والتنظيمية.
ويرى بعض المراقبين هذا بأنه كسر لقاعدة "الرمز" في حياة الفلسطينيين، وخطوة قد تحول عنوان المعركة من دعوة وطنية للاصلاح والتغيير والمحاسبة الى استفتاء شعبي على قيادة ياسر عرفات لشعب محاصر ومشتت في الضفة الغربية وقطاع غزة ومخيمات لجوء منتشرة في عدة دول عربية.
وقد تنتظر بعض الاسئلة ليجيب عليها الوقت وتطورات الاحداث، لكن السؤال الذي لا يحتمل الانتظار والذي سيجيب عليه الفلسطينيون بانفسهم في الايام القادمة هو إذا ما كانوا سيقبلون بعرفات رمزا فقط أم يصرون على أن يكون رئيسا فعليا لدولتهم المنتظرة".