عراق الحضارات أم عراق المزارات؟

بقلم: كاظم حامد الربيعي

تُشكل السياحة الدينية العمود الفقري للقطاع السياحي في العراق، فلا يمكن بأي حال من الاحوال مقارنة عدد قاصدي آثار سومر وآشور وبابل مع زوار كربلاء والنجف والكاظمية، لأن زيارة المواقع الاثرية غالباً ما تكون بقصد المتعة والترفيه والاطلاع على تاريخ الشعوب والحضارات القديمة، أما المراقد فهي في معتقد زائرها عبادة وقربة وطاعة ووسيلة لقضاء الحوائج وتفريج الكُرَب.

اسم العراق مرتبط بهذه الاماكن الاثرية التي تقص علينا منجزات سكان العراق الاقدمين وما وصلوا اليه من تقدم وتطور عمراني وحضاري ، لكني كمسلم بغنى عن الافتخار بما قدمه قاطنو هذه البلاد القدماء، لأن ما قدمه المسلمون بعد فتح العراق وما شيدوه على هذه الارض يكفي ويغني عن التعلق بالماضي البعيد.

لقد رفع الإسلام من شأن العراق وأهله فكان منهم أكابر العلماء في سائر الفنون والمعارف وخرّجت مساجد ومدارس العراق العباقرة والجهابذة في كافة العلوم الدينية الشرعية أو الطبيعية التطبيقية.

يتعرض تاريخ العراق بعد الاسلام إلى حملات تشويه غير منقطعة فدول الحكم الاسلامي والعلماني، العربي والتركي- عند طائفة الإمامية "من طوائف الشيعة"- في العراق دول محاربة لآل البيت وجهودها كانت تنصب في محاربة أتباعهم واضطهادهم ومنعهم من الوصول الى الحكم، لذا فإنه من السهل أن تجد لعن الامويين والعباسيين والعثمانيين والبعثيين جملة واحدة في كتب وبيانات ورسائل علماء ومثقفي الشيعة في العراق وغيره، بينما كان رجال الدين وقادة الأمة يباركون صنيع لحاكم الظالم ويسكتون عما يرون ويسمعون، فهم في النهاية شركاء في التآمر!

إن إهانة التراث الاسلامي وتحقير أهله ورموز ورميهم بتهم باطلة وترويج الأكاذيب وتزوير الحقائق التاريخية هو قتل معنوي للعراق الذي يعاني من تمدد طائفي وتوسع سرطاني استيطاني من قبل ايران وحلفائها.

يرافق هذا الاستهداف المعنوي والحرب على التأريخ والتراث اقصاء واضطهاد لمن يعتبره الطائفيون ورثة الحكم السابق وهم العراقيون السنة حتى اصبحت مفردات "السلجوقي" "الأموي" "السفياني" "البعثي" تطلق على بعض الساسة من أهل السنة كناية عن طائفيتهم المزعومة!

ويتكرس هذا التدمير الممنهج للعراق بالعناية بالمراقد والاضرحة والمقامات وتوقيرها والحرص على بقاءها عامرة تنعم بكل ما يوفر الراحة والسكينة والرفاهية لزائرها.

لم تكن هذه المزارات يوماً معلماً متميزاً وبقعة ذات أهمية في تكوين البنيان الحضاري الاسلامي في العراق، لأن الهدف الذي وضعت لأجله هذه الأبنية وشُيدت ورُفعت وعُمرت لم يكن مسخراً لخدمة الأمة، بل إن وجودها مرتبط بالتأخر الفكري وترسيخ الجهل والتردي الحضاري.

ينمي وجود هذه المراقد ثقافة تقديس البشر واعتقاد بلوغ بعض الصالحين مراتب عالية تصل الى الربوبية وربما الالوهية، والاعداد الهائلة من الزوار دلالة واضحة على ان اعتقاد الزوار (والذين يسمون الحجيج) في أصحاب هذه المراقد يتجاوز الحدود التي يمكن أن يتصورها المرء عن قاصدي هذه الأماكن.

جاء الإسلام ليزيل هذه الاعتقادات المهينة وينير العقول بما فيه صلاحها وصلاح معاشها ومعادها، فحذر من تشييد القبور لا سيما قبور العلماء والصالحين والانبياء، ونهى عن قصد قبور الانبياء والعلماء بقصد التبرك والدعاء والتوسل والطواف ليبعد الناس عن اعتقادات الجاهلية وسُنن الوثنية، لذلك فإن تعظيم هذه البقاع ليس له أصل في الدين ولا يخدم مصالح المسلمين.

ان السيطرة على الشعوب والتحكم بها يصبح أيسر وأسهل باستخدام هذه الاماكن، فالبلاد التي ينتشر فيها مزارات الصالحين تجد قلوب شعبها متعلقة بالاعتقاد الجاهلي الذي يثبط ويحارب كل ثورة اصلاحية او حركة تصحيحة متمردة على رواسب الجاهلية وبقايا الفكر القبوري الرجعي.

فلن يجد الباحث في تاريخ الشعوب والدول أن ثورة على حكومة ظالمة اونهضة علمية انطلقت من ضريح او مرقد أو قامت على أكتاف سدنة وعمّار وزوار تلك المشاهد والمقامات، بل على العكس فإن هذه الأماكن ذات القداسة المزعومة قد تصبح بسهولة سيفاً صارما موضوعاً في رقاب الضعفاء والأبرياء والعجزة والمتعبدين كما حصل بعد تفجير مرقد سامراء يوم 22 فبراير 2006.

ليس غريباً أن ينتشر الفساد في الدولة والمجتمع في البلاد التي تعتني بالمراقد وتنشط فيها ما يسمى بالسياحة الدينية لأن الاجواء التي يخلقها رجال الدين المستفيدين من هذه الحركة السياحية النشطة تعمي الابصار وتلفت الانظار عن هول الفساد والدمار الذي ينخر ويأكل في جسد الدولة والكيان الاجتماعي.

وإن حال العراق يشهد على ما نقول، فعراق المراقد اليوم يعني الجوع والفساد والظلم والاقصاء والتعذيب والقتل وكل سيئات الأنظمة الحاكمة السابقة وزيادة، وساسة العراق وإيران يعملون من أجل مزيد من التطوير والتعمير والتقديس لهذه المراقد لدعم حكمهم وبسط يدهم وتقوية نفوذهم.

إن الثقافة القبورية وتقديس الاحياء (المراجع والساسة) والأموات (الائمة) السائدة في العراق تُسهم في تكريس الظلم ومنع أي محاولة للإصلاح والنهوض بأحوال البلاد والعباد، فالساسة ورجال الدين الداعمون لهم اليوم يفرضون انفسهم على الشعب محتمين بذريعة الدفاع عن المذهب وأئمته الراقدين في الاضرحة، ويعبئون العوام والبسطاء والجهلة بالحقد المذهبي حول نوايا العرب والمسلمين بالسعي لاجتثاثهم واهانة مراقدهم كما قتلوا أصحابها من قبل، فيذعن الفرد الشيعي ويسلم لبقاء سلطة الحزب الديني لتعلقه الشديد بتلك الابنية وتخوفه (المفروض عليه) من زوال هذه الطقوس والزيارات.

كاظم حامد الربيعي