عراقيون عالقون بين تنظيم 'الدولة الإسلامية' والأكراد

معاناة من تقطعت بهم السبل

كركوك (العراق) ـ يحياوا هي مستعمرة موحلة تتكون من مجموعة خيام وتقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة كركوك العراقية، بين حدود إقليم كردستان المتمتع بحكم شبه ذاتي والخط الأمامي لما يسمى تنظيم "الدولة الإسلامية". وهذه المنطقة مهجورة من الناحية الجيوسياسية.

ويقيم في يحياوا في الوقت الحالي أفراد من الأقلية التركمانية الكبيرة العدد، كانوا قد فروا من منطقة تلعفر، غرب الموصل، عندما تعرضت لهجوم من قبل تنظيم "الدولة الإسلامية" في شهر يونيو/حزيران.

ويقول هؤلاء أنهم يشعرون بأن السبل قد تقطعت بهم، فلا يستطيعون العودة إلى قراهم التي استولى عليها مسلحو تنظيم "الدولة الإسلامية"، ولا يُسمح لهم بدخول كردستان. كما أن وجودهم على مقربة من تنظيم "الدولة الإسلامية" يعني أن معظم المناطق العراقية الأخرى بعيد المنال.

كما أن هؤلاء هم من بين عدد متزايد من النازحين العراقيين الذين يتهمون حكومة إقليم كردستان برفض توفير ملاذ أمن لهم في كردستان الآمنة نسبياً.

وتقول وداد خضر عثمان، أن زوجها قُتل عندما هاجم مسلحون من تنظيم "الدولة الإسلامية" قريتهم. ومنذ ذلك الحين، تحاول هذه الأم لطفلين والبالغة من العمر 40 عاماً الوصول إلى تركيا عبر كردستان، لكنها تقول أنها منُعت من الدخول وأُعيدت من حيث أتت مراراً.

وقالت وهي تشير نحو كركوك "إن الأمر برمته يتعلق بالسياسة. توجد نقطة تفتيش هناك، لكنهم لا يساعدوننا. لا أعرف إذا كنا محظورين أم لا، ولكنهم لا يسمحون لنا بالدخول".

وفي السياق نفسه، قال حسن عيسى أنه حاول أن يأخذ ابنته عالية البالغة من العمر أربع سنوات، والتي تعاني من عيب خلقي ناجم عن تراكم السوائل على الدماغ، إلى المستشفيات في كردستان، ولكنه مُنع من عبور الحدود أيضاً.

وأضاف أنهم حتى لو لم يتمكنوا من البقاء في كردستان، قد يستطيعون الوصول إلى تركيا، وحينئذ سيتمكن من العثور على رعاية طبية لابنته هناك.

وأوضح عيسى بينما كان يجلس بجانب ابنته في خيمته التي تفتقر إلى الهواء النقي "إنهم يخشون أن يكون التركمان من تنظيم الدولة الإسلامية". ولا يريد سكان المخيم التوجه جنوباً إلى بغداد لأن تنظيم "الدولة الإسلامية" يسيطر على مدينتي سامراء وتكريت إلى الجنوب من موقعهم الحالي ويساورهم القلق بشأن خطورة عبور الطرق.

وتجدر الإشارة إلى أن بلدة أمرلي في محافظة صلاح الدين، التي ينتمي معظم سكانها البالغ عددهم 12 الف نسمة إلى الطائفة التركمانية الشيعية، خضعت في شهر أغسطس/اب لحصار من قبل تنظيم الدولة الإسلامية دام لأكثر من شهرين، قبل أن تتمكن قوات الأمن العراقية من إنهاء تلك المواجهة.

وقالت كريستين فان دن توم، مديرة معهد الدراسات الإقليمية والدولية في الجامعة الأميركية في العراق، السليمانية "لقد تعرض التركمان لمعاملة مجحفة حقاً في هذا الوضع برمته ... لقد تعرضوا حقاً للإهمال".

وأوضحت "وبسبب الموقع الجغرافي للتركمان عندما وقعت غارات تنظيم الدولة الإسلامية، لم يحصل معظمهم على حماية حقيقية من أي جهة، فقد رحلت قوات الأمن العراقية ولم توفر قوات البيشمركة الكردية إلا حماية محدودة فقط".

وأكدت فان دن توم أنها لم تفاجأ لسماع أن التركمان يناضلون من أجل الوصول إلى إقليم كردستان، مشيرة إلى أن انحياز الشيعة التركمان إلى جانب بغداد، مقر الحكومة الاتحادية العراقية التي يقودها الشيعة، بعد عام 2003 أثار استياء الأكراد.

وأضافت قائلة "قد يتحدث الأكراد عن وجود تركمان في البرلمان، ولكن الأكراد والتركمان لن يتقاسما السلطة، وهما في نهاية المطاف يتصارعان للسيطرة على الأرض في \'مدينة\' طوز خورماتو ولا يثقان في بعضها البعض".

جدل حول سياسات الحدود

وتجدر الإشارة إلى أن الأقلية التركمانية ليست هي المجموعة الوحيدة من النازحين داخلياً التي تكافح للوصول إلى إقليم كردستان سعياً للحصول على ملاذ آمن هناك.

وتشير التقارير الواردة من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى منع النازحين من العرب السنّة أيضاً من المرور عبر نقاط تفتيش كردية عديدة، وطرد البعض من المناطق السكنية الكردية.

وأفاد تقرير نُشر في 30 يناير/كانون الثاني إلى أن "أكثر من 20 عائلة نازحة في كركوك من محافظة ديالى طُردوا من منازلهم وتم اصطحابهم إلى حدود كركوك في أوائل يناير"، مضيفاً أن هؤلاء الأسر تعيش في كركوك منذ عام 2006، وأنه في وقت سابق من هذا الشهر، تلقت 170 أسرة أخرى تهديدات بإخلاء منازلها.

والجدير بالذكر أن كركوك لا تزال مصدراً للتوتر بين أربيل وبغداد منذ فترة طويلة، حيث تدعي كل منهما ملكيتها للمدينة. وخلال حكم صدام حسين، تم نقل أعداد كبيرة من العرب إلى كركوك، في ظل العملية التي عُرفت باسم \'التعريب"، ولكن منذ عام 2003، يحاول الأكراد استعادة السيطرة على المدينة التي غالباً ما يصفونها بأنها "القدس" الخاصة بهم.

وقد جاء توغل تنظيم الدولة الإسلامية لمصلحة الأكراد لأنه أزاح قوات الشرطة والأمن العراقية وسمح للبيشمركة، وهي القوات المسلحة التابعة لحكومة إقليم كردستان، بالسيطرة على جزء أكبر من كركوك. مع ذلك، لا تزال الخطوط الأمامية متقلبة، وفي أواخر يناير، شن تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً مفاجئاً على المدينة والمناطق المحيطة بها، مما أدى إلى اندلاع قتال شرس.

وفي سياق متصل، تدافع حكومة إقليم كردستان بفخر عن سياستها الصارمة للسيطرة على الحدود، قائلة أنها بحاجة لحماية نفسها من الهجمات العنيفة التي تعاني منها بقية الأراضي العراقية، ولكن وكالات الإغاثة أثارت مخاوف بشأن منع دخول الأشخاص المستضعفين، لاسيما على أساس عرقي.

ووفقاً لمبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن النزوح الداخلي، ينبغي أن يتمتع جميع النازحين بحرية التنقل داخل حدود بلادهم، بغض النظر عن أصلهم العرقي أو الاجتماعي. ولكن على الرغم من أن كردستان جزء من العراق، فإنها تطبق ضوابطها الخاصة على الحدود وقواعد الوصول.

ويتفق عبدالرحمن محمد عيسى، مساعد الممثل لعمليات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في العراق، مع الرأي القائل بأنه في بعض الحالات، تم منع النازحين من غير الأكراد من عبور نقاط التفتيش الكردية.

وأضاف أن "الأمن مصدر قلق كبير بالنظر إلى البيئة الحالية. لست متأكداً إذا كان ذلك يمثل سياسة رسمية، ولكن في السابق، تم منعهم من العبور عند بعض نقاط التفتيش"، لكنه شدد على أن حكومة إقليم كردستان كانت سخية جداً بالنظر إلى محدودية مواردها.

ومنذ بداية يناير/كانون الثاني 2014 وحتى نهاية الشهر الماضي، حددت المنظمة الدولية للهجرة 2.255.148 نازحاً موزعين على 2.412 موقعاً مختلفاً في البلاد. وقد أصبحت محافظة دهوك الكردية موطناً لنحو نصف مليون نازح، ويوجد نفس العدد تقريباً في كل من أربيل والسليمانية، ويقيم معظمهم في مخيمات ومستوطنات غير رسمية.

وتضم كركوك أكثر من 330 الف نازح من مختلف أنحاء العراق، بما في ذلك عدد كبير من الأنبار، حيث دخل المتشددون من تنظيم الدولة الإسلامية إلى العراق من سوريا في بداية عام 2014 وشنوا غاراتهم الأولى هناك قبل أن ينتقلوا الى الموصل ثم إلى صلاح الدين.

وقد أصبح مخيم يحياوا، الذي أقامته وكالة إدارة الطوارئ والكوارث التركية موطناً لما بين 780 و1.700 شخص، حسب الأرقام التي يصدقها كل طرف. وقد تلقى المخيم بعض الإمدادات من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وصندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، ولكنه يعتمد في الغالب على دعم السكان المحليين، ويشرف عليه علي مهدي من الجبهة التركمانية، وهو حزب سياسي يمثل تلك الأقلية.

وتوجد بعض المرافق الرسمية هناك، بما في ذلك منطقة استحمام وعيادة صغيرة لا يتوفر فيها سوى مخزون قليل، ويتصل المخيم بخطوط الكهرباء، لكن معظم الأسر تعيش في خيام جماعية، صُنع العديد منها من البلاستيك ومغطاة ببطانيات لكي تصبح أكثر دفئاً.

وقال التركماني محمد علي، رئيس بلدية ليلان القريبة، أن بلدته زودت مستوطنة يحياوا بالغذاء والمياه والإمدادات الأساسية. لكنه أضاف أن ليلان، وهي بلدة يبلغ عدد سكانها 14.467 نسمة، تعطي أقصى ما في وسعها وتستضيف بالفعل مخيم نازحين خاص بها يضم ما يقرب من 10 آلاف نازح.

وتساءل قائلاً "أين سيذهبون؟ ليس لدينا أماكن لإيوائهم". (ايرين)