عراقيون بلا كهرباء وحكومات عاجزة عن الحل

في المدينة الجنوبية التي ما زالت سنابك خيل الحروب واثار القصف ومخلفاته بادية على ترابها، هناك تلوح المداخن وابراج استخراج النفط الخام في هجير حام ولا يطاق.

سيكون هناك مشهد مألوف، مشهد اناس يجرون ورائهم جرادل وبراميل الماء وليس شيئا آخر، تحت تلك الشمس الحامية، اذ ما تزال المدينة المطلة على الخليج ترزح تحت كابوس الاهمال واللامبالاة كما كانت من منذ عقود. تلك هي مدينة البصرة العراقية او ما تسمى ثغر العراق الباسم، هناك حيث ترتفع درجة الحرارة الى ما يقارب 55 درجة مئوية وعند قضاء "المديّنة" الذي يقع الى الشمال من مركز البصرة بمسافة تقترب من 95 كيلومترا، هناك ستشاهد الناس تتلظى وسط هذه المعاناة صغارا وكبارا لا احد يلتفت لمعانتهم ساعتها وصلت الامور الى نهاياتها فخرج بضعة نفر من اهل تلك المدينة المحرومة مطالبين السلطات بإنقاذهم من هذا الوضع الكابوسي الذي هم فيه اذ لا تكاد امدادات الكهرباء تصل اليهم، تكرر المشهد نفسه في العام 2011 و2012 و2013 واخيرا في منتصف شهر تموز يوليو الماضي والمدين في كل عام تنتفض وتتظاهر ولكن دون جدوى.

هنا وجدت السلطات نفسها في عجز فاضح اذ ليس لديها ما تفعله من اجل هؤلاء المحرومين وغيرهم، عندها كان لابد من الردع لتفريقهم والتخلص من صراخهم وبدأ الرصاص ينهمر على المتظاهرين عشوائيا ليردي الشاب منتظر الحلفي قتيلا، ثم ليحضر نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة شخصيا الى مكان الجريمة لا ليواسي الناس ويكفكف عذاباتهم بل ليتهم المتظاهرين بأن تظاهراتهم كانت مدبرة وليست عفوية، هذا في وقت كان من ابسط واجباته ان يشرح للشعب قصة معاناتهم مع الكهرباء التي لا تنتهي لكن يبدو ان الوضع برمته ممل ولا يروق لمزاجه فقفل عائدا.

هذا الفصل البسيط هو امتداد لفصول ابتدأت منذ العام يوم طحنت جيوش الولايات المتحدة محطات انتاج الكهرباء طحنا وحطمتها ابان غزوها للعراق واكملت المهمة فلول السراق والمخربين وبذلك نتج تحالف غير معلن ولا مباشر من الطرفين افضى الى دمار حقيقي في قطاع انتاج الطاقة الكهربائية فلما تولت اميركا ادارة البلد وكان ممثلوها يتوزعون على وزارات الدولة كافة لم يكن من ضمن اهتماماتها ايجاد اي حل عملي لهذه المعضلة العويصة بل ان هنالك من هم من المؤمنين بنظرية المؤامرة من يذهبون الى ما هو ابعد من ذلك ان اميركا لا تريد اصلاح قطاع الكهرباء في العراق اصلا ولن تسمح به لانه يحقق لها قسما من اهدافها في استمرار اشاعة الفوضى في هذا البلد فضلا عن الاضطرابات وشلل الحياة واهدار الاموال الطائلة في اصلاحات هامشية في هذا القطاع والا ما كانت تنصلت عن مسؤوليتها واصلحت ما دمرته.

اما الباحث فارس كمال نظمي فيقرأ هذه المعضلة، معضلة ازمة الكهرباء في العراق من ناحية سيكولوجية ويذهب الى ان ما يسمى بجداول القطع "المبرمج" للكهرباء هو في جوهره تطبيق "مبتكر" لـ"جداول التعزيز" التي اكتشفها عالم النفس السلوكي الأميركي بورهوس سكنر مستخدماً إياها ببراعة كبيرة في تشكيل سلوك الحيوانات كالفئران والحمام، معمماً هذا الابتكار فيما بعد على السلوك البشري، ضمن ما صار يُعرف بمذهب "الحتمية الاجتماعية"، إذ يقول سكنر أن السلوك البشري جبري تحدده الأحداث البيئية، أما حرية الإنسان فمحض وهم. ويخلص الى نتيجة مفادها إنها محاولة لمكننة السلوك البشري، وإفراغه من مضمونه الإنساني الكامن، واستلابه بيولوجياً ونفسياً عبر تقنية تقطير الحياة في فم الإنسان، وصولاً به إلى فقدان الأمل والعجز والاكتئاب الجمعي والخواء الوجودي المر، أي تعطيل المشروع الحضاري والجمالي للجماعة العراقية، وإحالته إلى محض جدول انتظارات خائبة لساعات القطع "المبرمج".

كان ذلك تفسيرا نفسيا اما في الداخل العراقي فهنالك قصة اخرى تتعلق بفضائح اختلاس اموال مشاريع اصلاح قطاع الكهرباء وهي قصة معروفة على نطاق واسع ومنتشرة بكثافة في اوساط الشعب العراقي وانتشرت فيما بعد من خلال مواقع التواصل الاجتماعي في شكل حملة سخرية مريرة من هؤلاء الذين اداروا عمليات السرقة المنظمة لقطاع الكهرباء. وهنا يذهب فائق الشيخ علي، النائب في البرلمان العراقي في تصريحات لوسائل الاعلام ان مجموع ما اهدر من اموال لقطاع الكهرباء يصل الى 27 بليون دولار وان الشخص الوحيد المتهم بذلك الهدر بحسب الشيخ علي نفسه هو المالكي، رئيس الوزراء السابق. فعلى يديه وبعلمه تم صرف تلك الاموال وانفاقها. لكن اين؟ لا احد يعلم اذ لا نتيجة تذكر من جراء ذاك الانفاق بل ان المالكي نفسه ظهر على الشاشات مبرءا نفسه ومتهما نائبه لشؤون الطاقة انذاك حسين الشهرستاني شتى الاتهامات بالتقصير وسوء الادارة الى ما هنالك من اتهامات واتهامات متبادلة بين احزاب السلطة ولكن من دون ان ينعكس ذلك على حياة الشعب الذي تطحنه الازمات.

عشية اليوم الاخير من شهر تموز يوليو الماضي كان هنالك حراكا شعبيا واسعا سواء في بغداد او في المحافظات العراقية، حراك كان من نتائجه خروج عشرات الوف العراقيين في مظاهرات عفوية ضد الوضع المزري الذي يعيشه العراقيون في قطاع الكهرباء وباقي الخدمات ثم ليتسع الامر الى حملة وطنية لكشف الفساد والمفسدين، الحكومة تعلن انه جرس انذار، ومجرد بداية ولا بد من حلول، لكن الحكومة نفسها ليس في يديها حلول لاسيما في ظل اوضاعها الحالية وانشغالها في الحرب مع داعش اذ ليس متوقعا ان تحل ازمة تجهيز الكهرباء للعراقيين ولا خلال 5 سنوات من الان. واقع متراكم نهبت من خلاله المليارات ولم يعقد ولامؤتمر علمي عالمي واحد من تلك المليارات لمؤسسات استشارية وشركات عالمية رصينة وخبراء لاقتراح الحلول وبقيت الحلول ترقيعية وشكلية مشفوعة بقاموس طويل من الاكاذيب التي كان المسؤولون يخدرون الشعب بواسطتها ان ازمة تجهيز الكهرباء ستحل بحلول العام 2013 وان العراق سيصدر الفائض الى دول الجوار، ولم يكن ذلك الا مشهدا من كابوس عراقي طويل مليء بالفساد وسوء الادارة والمحسوبية واللصوصية وتردي الخدمات المتراكمة على مر الحكومات المتعاقبة منذ العام 2003.