عجم الكويت... طموح طهران الإسلامية

مواطنون لهم الحقوق كافة ولكن

منذ الصعود القومي الإيراني في العقود الأخيرة، يكتسي وجود أقلية العجم في دول الخليج أبعاداً سياسية غاية في الأهمية، وعلى الرغم من ثراء واستقرار المجتمعات الخليجية فإنها تقف على بنيات اجتماعية وسياسية ودينية هشة، فالولاء القبلي وحده لا يكفي، وكل تصدع مذهبي أو عرقي يترك أثراً عميقاً في التوازن الاجتماعي والسياسي في هذه البلدان، ولذلك من الضروري الأخذ بعين الاعتبار أن ثغر مجتمع ما تشكل فوائد للعدو الإقليمي أو الدولي، وتمثل الأقليات خصوصاً عاملاً رئيساً في السياسات الخارجية للدول التي تتبنى استراتيجية الاختراق. تشير أكثر من دراسة إلى أن نسبة العجم في الكويت تقارب الثلث، فإذا كان عدد المواطنين مليوناً وأربعمائة ألف نسمة، فإن عدد العجم يقارب نصف المليون. وحسب هذه الدراسات، فإن هذا يجعل الكويت الأقل انسجاماً من الناحية العرقية بين دول الخليج. فنسبة العجم هذه تجعل منهم قوة لا يستهان بها في أية سياسة وطنية أو إقليمية. ويرى الباحث المصري المختص في الشؤون الإيرانية ومنطقة الخليج العربي شحاتة محمد ناصر أن العجم يشكلون أقل من ذلك، ولا يتجاوزون نصف سكان الشيعة في الكويت، أي حوالي 250000 نسمة. أما من الناحية المذهبية، فإن المصادر تتفق في أن أكثر العجم شيعة. وبناء على الإحصاء الانتخابي، فإن عدد الناخبين الشيعة 24 ألفاً من أصل 137 ألف ناخب في الكويت. وهذا يؤكد أن نسبة الشيعة 32 بالمائة، غير أن نسبة العجم بينهم أغلبية نسبية فقط.

أجيال تعاقبت

استقرت أغلبية العجم في الكويت في أوائل القرن التاسع عشر لأسباب اقتصادية. ومثل أية موجة هجرة فإن العجم مسألة أجيال. فالأجيال الأولى اشتغلت في مهن التجارة الصغرى والصناعة اليدوية والخدمة، وهذه المهن تترك أثراً على الوضع الاجتماعي والصورة النمطية المرتبطة به. لكن هذا الوضع تغير كثيراً منذ ذلك الحين، وصار العجم بعد الطفرة النفطية يتمتعون بوضع الطبقة الوسطى التجارية. وقد حافظ العجم على اللغة الفارسية عند توطنهم مما أخر اندماجهم في المجتمع الكويتي. لكن الأجيال التالية أتقنت العربية، حيث صار جيل الشباب الحالي من العجم لا يتحدث سوى اللهجة الكويتية.

ونتيجة لاندماج العجم الكامل في النسيج الاقتصادي والاجتماعي في الكويت، لا يوجد بينهم إحساس بالحيف. إذ ساهمت الثروة النفطية والسياسة التنموية في الكويت في رفع مستوى معيشتهم وترقيهم الاجتماعي. ويظهر رضا العجم في المستوى السياسي، حيث تناسب تمثيليتهم السياسية وجودهم العددي. وقد سلكت الدولة في الكويت سياسة الاحتواء والمشاركة. وأفاد العجم من إتاحة النظام الكويتي إمكان الانتخابات والتمثيلية في مجلس الأمة من أجل التعايش بين المذاهب والأعراق.

مشكلة إيران

إلا أن المشكلة تكمن في الثورة الإيرانية وما صاحبها من مشروع إيراني توسعي. فالتوجس من العجم يأتي من الظروف السياسية الإقليمية، وخصوصاً مع الحرب العراقية - الإيرانية التي لم تنجح في ضمان ولاء الشيعة للعرب ضد الإيرانيين؛ لأن طهران غطت خطابها بالشعارات الإسلامية. ونتيجة لذلك، تغير ولاء بعض العجم من النظام الكويتي إلى طهران، وتمثل هذا التغيير في تبني أعمال العنف والتخطيط لقلب نظام الحكم في الكويت. ورغم ذلك، فإن النظام الكويتي سمح للعجم بالمشاركة السياسية الفاعلة في الكويت. ويمكن الاستشهاد بانتخابات مجلس الأمة الكويتي في ديسمبر 2012، حيث حصل الشيعة على 17 مقعداً من أصل خمسين. وهذه النسبة تعني 34 بالمائة وهي حتماً أكثر من الوزن العددي للشيعة وهو 32 بالمائة. وهذا يشير إلى توجه السياسة الحالية إلى قطع الطريق على استخدام إيران العجم والشيعة في الكويت.

وتأتي سياسة الاحتواء الكويتية هذه في موقف الكويت من إيران أيضاً، فالكويت ترغب في علاقات جوار طيبة مع الجار الإيراني، كما ترغب في سد الباب أمام إيران التي تسعى إلى استغلال أقلية العجم والعامل المذهبي الشيعي. وعلى اعتبار أن التشيع يمثل قناعاً للسياسة الإيرانية، فإن اللاعب الوسيط بين إيران والساحة السياسية الكويتية هي أقلية العجم. وتظهر التجربة السياسية في العراق أن رفع الشعارات الشيعية يهدف لإخفاء التمييز بين الشيعة أنفسهم، حيث العجم يحتلون أعلى السلم والعرب آخره. ولذلك، يمكن القول إن المسألة الشيعية في الكويت تخفي طموحاً سياسياً للعجم. وتشير بعض المصادر إلى أن الاختلاط المتزايد بين الشيعة عرباً وعجماً، حيث صارت الأصول العرقية تخف خاصة مع تعريب الجيل الجديد من العجم.

أهمية استراتيجية

يتمتع العجم بالكويت بأهمية استراتيجية في واحد من أهم قطاعات الاقتصاد الكويتي وهو الملاحة، فهذا القطاع مرتبط بشدة بالمبادلات التجارية مع إيران، والعجم حاضرون بقوة في الشركات والتجارة الدولية الكويتية مع إيران. وللعائلات العجمية مثل عائلة دشتي دور مهم في تسيير الموانئ. هذه الروابط ليست مذهبية فقط، بل هي تجارية وقائمة على المصلحة. ولذلك، فإن الكويت أيضاً تراعي مصلحتها التجارية في احترام أقلية العجم وفي سياسة مهادنة إيران. لكن هذه المصلحة قد تشجع إيران أكثر على الاختراق وتجعل بعض العجم أكثر قابلية لهذه السياسة.

علاوة على القوة التجارية التي تحمي العجم، فإن الدستور الكويتي يحصن العجم ضد التمييز. فالمادة السادسة من الدستور تنص على أن „نظام الحكم ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً». وهذا يعني أن العجم - من حيث هم مواطنون - يمارسون السيادة ولهم دور في اتخاذ القرارات في الانتخابات. أما المادة التاسعة فتقرر أن الدولة تصون «دعامات المجتمع وتكفل الأمن والطمأنينة وتكافؤ الفرص للمواطنين». وهذا ينعكس على الوضع الاجتماعي للعجم الذين يتمتعون بأفضل الفرص الممكنة في السكن والتعليم والصحة. وتؤكد المادة السادسة عشرة أن «الملكية ورأس المال والعمل مقومات أساسية لكيان الدولة الاجتماعي وللثروة الوطنية».

وهي جميعاً حقوق فردية ذات وظيفة اجتماعية. لا شك أن هذا يحمي امتيازات العجم الذين تحولوا إلى طبقة تجارية نشطة في الكويت. وفي المادتين السابعة عشرة والثامنة عشرة يشير الدستور إلى "أن للأموال العامة حرمة، وحمايتها واجب على كل مواطن وأن الملكية الخاصة مصونة، فلا يمنع أحد من التصرف في ملكه إلا في حدود القانون، ولا ينزع عن أحد ملكه إلا بسبب المنفعة العامة في الأحوال المبينة في القانون، وبالكيفية المنصوص عليها فيه، وبشرط تعويضه عنه تعويضاً عادلاً والميراث حق تحكمه الشريعة الإسلامية".

حق الجنسية

بالنسبة لحق الجنسية، الذي يمثل أعلى الحقوق التي يمكن أن يحصل عليها المواطن في الكويت، فإن المادة السابعة والعشرين تنص على أن «الجنسية الكويتية يحددها القانون ولا يجوز إسقاط الجنسية أو سحبها إلا في حدود القانون». وهذا يحمي العجم لأنهم مجنسون بالجنسية الكويتية منذ عقود. ويترتب عليه أن الدولة لا تستطيع إبعاد المجنس أو منعه من العودة إلى الكويت. وكذلك تنص المادة التاسعة والعشرون على أن «الناس سواسية في الكرامة الإنسانية وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين». وهذا يضمن للعجم الشيعة حق الاختلاف المذهبي مع المواطنة والمساواة. وتضيف المادة الخامسة والثلاثون أن «حرية الاعتقاد مطلقة، وتحمي الدولة حرية القيام بشعائرالأديان طبقاً للعادات المرعية، على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب». وهذا يشمل الحسينيات والمآتم والطقوس الشيعية كافة. وبصفة عامة فإن المواد التي تنص على الحريات المكفولة للمواطنين كحرية التعبير والتجمع هي أيضاً مكفولة للعجم. أما المادة الواحدة والأربعون فإنها تحمي العجم في مجال العمل، حيث «لكل كويتي الحق في العمل وفي اختيار نوعه، والعمل واجب على كل مواطن تقتضيه الكرامة ويستوجبه الخير العام, وتقوم الدولة على توفيره للمواطنين وعلى عدالة شروطه». وأخيراً، فإن المادة الثالثة والأربعين تكفل «حرية تكوين الجمعيات والنقابات على أسس وطنية وبوسائل سلمية مكفولة وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون». ولهذه المادة أثر على الحرية السياسية للعجم في اختيار ممثليهم في مجلس الأمة.

أكثر من ذلك، فإن عبدالحميد دشتي، أحد قيادات العجم في الكويت، قدم قانون الوحدة الوطنية ومكافحة التمييز العنصري الذي تبناه مجلس الأمة، وحدد القانون جرائم الوحدة الوطنية في كل ما «يمس الوحدة الوطنية ويحقق النزاعات والتفرقة بين شعب الكويت، أما جرائم التمييز العنصري فهي التي تشكل تفرقة وتمييزاً بين الناس من ناحية وانتهاكاً لحقوقهم وحرياتهم العامة من ناحية أخرى». وكانت أول محاكمة بتهمة الإخلال بالوحدة الوطنية، هي حالة المفكر الكويتي المعروف عبد الله النفيسي الذي نسبت إليه تصريحات يتهم فيها بعض النواب الكويتيين الشيعة بالعمل مع المخابرات الإيرانية.