عجم البحرين: إشكالية الخضوع للولي الإيراني

ازدواجية الانتماء

يطلق في مملكة البحرين، اسم العجم على الشيعة من أصول فارسية، والذين جاءوا إليها من السواحل الفارسية المقابلة، وكثير من العجم ما يزال يتحدث بالفارسية حتى الآن بعد مضي أكثر من قرن على استيطانهم، على الرغم من استعمالهم العربية في الحديث اليومي والمعاملات.

كما تشير آخر التقارير الموثوق بها نسبياً لكونها صدرت عن اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق إلى أن البحارنة يشكلون أغلبية الشيعة في البحرين، بينما يمثل العجم أقلية. وتشير دراسة شحاتة محمد ناصر إلى أن الشيعة العرب يمثلون غالب الشيعة في البحرين، بينما لا يتجاوز عدد العجم ربع الشيعة في هذا البلد. وسبب التضارب في الأرقام يرجع إلى غياب إحصاءات رسمية اجتناباً للحساسيات المذهبية والعرقية.

لكن وزن العجم في البحرين لا يأتي من عددهم بل من تحالفهم المذهبي مع البحارنة في ظل المد الإيراني بعد ثورة 1979. أضف إلى ذلك القرب الإيراني الذي يشعر العجم والشيعة العرب بإمكان مشروع الوحدة الشيعية أو التمكن على الأقل، وكلما زادت أطماع الإيرانيين كلما نمت ثقة الشيعة والعجم في تكرار السيناريو العراقي. وتظهر هذه العلاقة بين التشيع والاستراتيجية الإيرانية في أن أكثر شيعة البحرين موالون للمرجع علي خامنئي ومدرسة قم. وعلى اعتبار أن خامنئي يؤمن بولاية الفقيه، فإن الولاء السياسي مكفول له أيضاً. والواقع أن استراتيجية الولاء الخليجية تصطدم بعقيدة ولاية الفقيه السياسية، التي تجعل المؤمن بها ينزع كل شرعية عن الحاكم في بلده ويمنحها كاملة للفقيه الولي.

أما فيما يخص الحماية من العنصرية، فمن العلامات المهمة على رغبة النظام في إدماج العجم في النسيج الخليجي أن أول قوة شرطة في البحرين، والتي شكلت سنة 1920 في المنامة، تتكون من العجم. لكن الثورة الإيرانية وما صاحبها من اضطرابات بين شيعة البحرين سعياً إلى استنساخ الأنموذج الإيراني دفع الحكومة إلى إبعاد العجم من الشرطة. وفي السنوات الأخيرة، تنامى عدد الشيعة والنساء في الشرطة البحرينية كجزء من سياسة المملكة، لتوسيع دائرة الشرطة التي يسيطر عليها السنة.

ومقابل استثمار إيران العجم كمجال حيوي، فإن التشريعات البحرينية القائمة توفر الضمانة القانونية لولائهم ولحمايتهم من التمييز في المجالات السياسية والاجتماعية والدينية. فالمادة الأولى من دستور مملكة البحرين تنص على أن "للمواطنين، رجالاً ونساء، حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق الانتخاب والترشيح. ولا يجوز أن يحرم أحد المواطنين من حق الانتخاب أو الترشيح إلا وفقاً للقانون". وتؤكد المادة نفسها أن نظام الحكم في مملكة البحرين ديمقراطي، السيادة فيه للشعب مصدر السلطات جميعاً، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور».

بما أن العجم مواطنون فإن الحقوق السياسية كافة مضمونة لهم بموجب هذه المادة. ويضاف إليه أن الديمقراطية تكفل انتخابات منتظمة يشارك فيها العجم باستمرار، بما يضمن لهم تمثيلاً منصفاً. وكون الانتخاب على أساس صوت لكل مواطن يبعد شبح الطائفية ويساوي بين المواطنين في الوزن السياسي. ونتيجة لذلك، فإن ثلاث شخصيات عجمية تحتل مناصب سياسية مهمة في البحرين: عبد الحسين ميرزا وزير الطاقة والبترول الحالي، وعبد العزيز ابل عضو مجلس الشورى وأحمد ساعاتي عضو مجلس النواب. وتكفل المادة الثامنة والعشرون للعجم حق الاجتماع الخاص دون حاجة إلى إذن أو إخطار سابق، ولا يجوز لأحد من قوات الأمن العام حضور اجتماعاتهم الخاصة.

كذلك «الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة وفقاً على أن تكون أغراض الاجتماع ووسائله سلمية ولا تنافي الآداب العامة». وتسمح المادة الثالثة والعشرون بحرية الرأي والبحث العلمي ولكل إنسان الحق بالتعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما، وذلك وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون، مع عدم المساس بأسس العقيدة الإسلامية ووحدة الشعب، وبما لا يثير الفرقة أو الطائفية. ويفيد العجم من هذا الحق، حيث شكلوا جمعية الإخاء المعارضة للحكومة.

أما في مجال الحقوق الاجتماعية، فإن المادة الثالثة عشرة تقرر أن "الدولة تكفل توفير فرص العمل للمواطنين وعدالة شروطه». وهذا يشمل العجم أيضاً، بل إن العجم أكثر إفادة من فرص العمل على اعتبار أنهم طبقة وسطى يحصل أبناؤها على أفضل فرص التعليم وشروط الحياة الكريمة. وتؤكد المادة السادسة عشرة الحق في المساواة «في تولي الوظائف العامة وفقاً للشروط التي يقررها القانون.» ومن الحقوق الاجتماعية المهمة الجنسية. هكذا تعلن المادة السابعة عشرة أن «الجنسية البحرينية يحددها القانون، ولا يجوز إسقاطها عمن يتمتع بها إلا في حالة الخيانة العظمى، والأحوال الأخرى التي يحددها القانون».

وفيما يخص الحقوق الدينية، فإن المادة السابعة تبيح "للأفراد والهيئات إنشاء المدارس والجامعات الخاصة بإشراف من الدولة، ووفقاً للقانون". وهذا يضمن للعجم تدريس العقائد والفقه الشيعيين وكذلك تعليم اللغة الفارسية. وتعلن المادة الثانية والعشرون أن «حرية الضمير مطلقة، وتكفل الدولة حرمة دور العبادة، وحرية القيام بشعائر الأديان والمواكب والاجتماعات الدينية طبقاً للعادات المرعية في البلد». وفي هذا المضمار، يفيد العجم من بناء الحسينيات والمساجد وتنظيم المآتم. وتضمن المادة السابعة والعشرون حق تشكيل «الجمعيات الدينية وحرية تكوين الجمعيات والنقابات، على أسس وطنية ولأهداف مشروعة وبوسائل سلمية، مكفولة وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون، بشرط عدم المساس بأسس الدين والنظام العام». وتلخص المادة الثامنة عشرة الوضع الحقوقي للعجم في البحرين في تأكيدها أن «الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، ويتساوى المواطنون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة». ويبقى اختيار بعض العجم استراتيجية الاختراق مسألة سياسية نابعة إما من طموح اجتماعي واقتصادي أكبر أو من دعاية عرقية ومذهبية إيرانية.