عثمان العثمان ينتقد نظرية المؤامرة

عرض: حسني محمد ذياب

في كتاب صدر حديثاً للكاتب والمحلل الاستراتيجي عثمان العثمان فند نظرية المؤامرة التي ينسب العرب إليها كل إخفاقاتهم وهزائمهم وانتكاساتهم.
وفي هذا الكتاب يحاول المؤلف أن يلقي الضوء على هذا الموضوع الشائك من خلال الاعتماد على الوثائق التاريخية التي توفرت لديه وذلك من خلال توزيع الكتاب على ستة فصول، إضافة إلى ملحق بالوثائق التي استند عليها في تفنيد نظرية المؤامرة.
وقد وضع المؤلف فرضية لدراسته استند فيها إلى أن السبب الوحيد لقيام الكيان الإسرائيلي في الأرض العربية والهزائم العسكرية التي لحقت بالأنظمة العربية هو انعدام الكفاءة الاستراتيجية لدى هذه الأنظمة خاصة القيادات العسكرية، وليس بسبب المؤامرة المزعومة التي يروج لها الفكر الانقلابي العسكري المعادي للديمقراطية كما أطلق عليه المؤلف.
وأعاد سبب الإخفاق في تحقيق الوحدة العربية إلى عجز الفكر العسكري العربي عن طرح استراتيجية وحدوية ناجحة، وليس بسبب نظرية المؤامرة المزعومة.
وأكد المؤلف أن ضياع فلسطين وإقامة الكيان الإسرائيلي على الأرض العربية يعود إلى جهل وضحالة النخبة العربية في مطلع القرن العشرين وان هذه النخبة كانت في قمة التخلف الاستراتيجي وتجهل أبسط مبادئ إدارة الصراع وعلم السياسة، وذلك بسبب تحالفها مع عدوها وهو بريطانيا في ذلك الوقت التي كانت تحتل مصر، ضد الدولة العثمانية التي كانت تمثل بقايا الدولة الإسلامية، وذلك مقابل وعود زائفة من بريطانيا للشريف حسين بأن تنظر بريطانيا بعين العطف لقيام دولة عربية واحدة بعد هزيمة القوات التركية. وقال أن هذا يعد خطأً استراتيجياً قاتلاً، وقد مثَّل هذا التحالف العربي البريطاني الجسر الذي دخل من فوقه المشروع الإسرائيلي للأرض العربية، وما كان لمثل هذا التحالف أن يتم لو أنه كان هناك قيادات واعية لديها نظرة استراتيجية، على الرغم من الممارسات التي كانت تقع من قبل بعض القيادات التركية ضد العرب، أورد الكاتب العديد من الأخطاء الاستراتيجية التي قال إن قيادة الثورة وعدم الالتزام بخطة استراتيجية قادرة على إقامة الدولة العربية المستقلة.
وأكد الكاتب من خلال تحليله للمراسلات التي تمت بين الشريف حسين وبريطانيا أن القائد الفعلي للثورة العربية لم يكن الشريف حسين بل ابنه الأمير فيصل وأن الشريف حسين لم يكن إلاّ واجهة فقط، وأشار إلى أن الأمير فيصل كان على علم مسبق بكل ما كان يحاك ضد العرب وأنه على الرغم من ذلك وقع اتفاقية مع حاييم وايزمن ممثل المنظمة الصهيونية، وذلك عام 1919 يعترف بموجبها بالوطن القومي لليهود في فلسطين مقابل أن يصبح فيصل ملكاً للدولة العربية المستقلة.
وفي تحليله للصراع العربي الإسرائيلي منذ عام 1919 وحتى إعلان قيام الكيان الصهيوني عام 1948 فند المؤلف المقولات المتداولة عن مؤامرة بريطانية أمريكية صهيونية لإقامة إسرائيل، وأكد أن عدم وجود كفاءة استراتيجية في إدارة الصراع من قبل القيادة الفلسطينية في ذلك الوقت والممثلة بالحاج موسى كاظم الحسيني وابن عمه الحاج أمين الحسيني، وعدم توفر الرؤية السياسية لديهما، وعدم تقديم القيادات العربية لأي دعم لهما هو الذي أدى لقيام الكيان الإسرائيلي.
وأورد المؤلف عدداً من الأخطاء ارتكبتها الزعامة الفلسطينية آنذاك، وهي:
ـ الخطأ في رفض مشروع تشرشل لعام 1922، وهو المشروع الذي طرحه ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطانية ونص على إجراء انتخابات لمجلس تشريعي لإدارة شؤون فلسطين.
ـ الخطأ في فهم خلفيات وأهداف العدوان اليهودي على حائط البراق عام 1929، وهو العدوان الذي خطط له الصهاينة بدقة حيث سعوا إلى لفت أنظار اليهود لقدسية الحائط وأهميته الدينية من أجل إعطاء زخم للهجرة اليهودية إلى فلسطين بعد أن بدأت تخف.
ـ الخطأ في عدم تأييد ثورة القسام، وهي الثورة التي قادها المناضل السوري الشيخ عز الدين القسام الذي لجأ إلى فلسطين وبدأ قتاله ضد اليهود والبريطانيين اعتباراً من 14 نوفمبر 1935 م، لكن الشيخ القسام لم يستمر طويلاً حيث استشهد في مواجهة مع قوات الاحتلال البريطانية والقوات اليهودية في 19 نوفمبر.
ـ الخطأ في إنهاء ثورة 1936 دون أية مكاسب سياسية، حيث استجاب الحاج أمين الحسيني لضغوط الملوك العرب في كل من شرق الأردن والسعودية والعراق وأعلن إنهاء الثورة في 11/10/1936، ويرى المؤلف أن استجابة القيادة الفلسطينية للنداءات الداعية لوقف الثورة خطأ استراتيجي كبير ويعد دليلاً على إفلاس هذه القيادة وعدم إدراكها لمتطلبات إدارة الصراع ضد عدوها.
ـ الخطأ في رفض الكتاب الأبيض الصادر عن الحكومة البريطانية عام 1939 والذي أصدره وزير المستعمرات مالكولم ماكدونالد في 17/5/1939، والذي حمل الكثير من الإيجابيات في صالح الجانب العربي، حيث عطل وعد بلفور عملياً وأوقف الهجرة اليهودية، وقد وافق العرب جميعهم على ما جاء في هذا الكتاب إلا الحاج أمين الحسيني.
ـ الخطأ في رفض قرار تقسيم فلسطين رقم 181 والصادر عن الأمم المتحدة وعدم الاستعداد العسكري لإفشاله.
ويرى المؤلف أن رفض القيادة الفلسطينية آنذاك والزعامات العربية لقرار التقسيم رقم 181 مع عدم تقديم أي بديل كان قراراً خاطئاً، وأكد أن رفض القرار ترتب عليه ضياع فرصة قيام دولة فلسطين العربية بمساحة 46%، كما ترتب عليه تشريد قرابة 40% من عرب فلسطين أي ما يقارب 800 ألف فلسطيني، ومكّن اليهود من تثبيت أقدامهم في فلسطين والاستعداد لمرحلة التوسع في سلسلة حروب ضد الدول العربية.
وفي تفسير المؤلف لهزيمة الخامس من يونيو 1967 يرى أن الاحتلال الإسرائيلي الكامل لكل من سيناء والضفة الغربية والجولان، لم يكن نتيجة مؤامرة أمريكية إسرائيلية لأن المؤامرة في مفهومها وطبيعتها أن تكون آلية تنفيذها المادية خافية على الطرف المستهدف، وهذا يتعارض كلياً مع سير الأحداث التي سبقت الخامس من يونيو 67 حيث كان العدوان متوقعاً منذ أكثر من شهرين من تاريخ الحرب، والأكثر من ذلك فإن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر أعلن في شهر مايو 67 أي قبل العدوان بشهر أنه مستعد للحرب مع إسرائيل وان قواته ستنتصر، ويرى المؤلف أنه في ضوء ذلك فإن سبب الهزيمة يعود إلى أخطاء استراتيجية ارتكبتها القيادة السياسية المصرية ممثلة بالرئيس جمال عبد الناصر باعتبار أنه هو الذي قاد سوريا والأردن للحرب. وأورد المؤلف عدة أخطاء قال إن الرئيس جمال عبد الناصر وقع فيها قبل هزيمة 1967 وأجملها في :
ـ طرد القوات الدولية من سيناء والتي كانت مرابطة بين القوات المصرية والإسرائيلية.
ـ إغلاق مضائق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية.
ـ ضعف الاستعداد العسكري لدى القوات المسلحة المصرية، وعدم امتلاك استراتيجية عسكرية للدفاع أو الهجوم.
ـ إقحامه الأردن بالأزمة وإخضاعه لقيادته العسكرية الفاشلة.
ـ الخطأ بممارسة لعبة دبلوماسية القوة بشكل ساذج.
ـ رفض الرئيس جمال عبد الناصر التراجع عن قراراته الخاطئة، اثر طلب الرئيس الأمريكي جونسون منه التراجع عنها.
واستعرض المؤلف الأحداث التي جرت للمقاومة الفلسطينية منذ أيلول 1970، والمواجهات الدامية التي جرت في الأردن بين القوات الأردنية والتنظيمات الفلسطينية والتي أدت إلى خروج القيادة الفلسطينية من الأردن إلى لبنان ثم الاقتتال الذي حصل في لبنان بين المقاتلين الفلسطينيين، والقوات اللبنانية وتفجر الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 والاجتياح الإسرائيلي للبنان، وصولاً إلى انتفاضة الأقصى في 28/9/2000 اثر قيام ارييل شارون بتدنيس المسجد الأقصى وتطورات الانتفاضة من استخدام الحجارة إلى العمليات الاستشهادية والمواجهة المسلحة، وقال المؤلف إن القيادة الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات روجت لفكرة أن كل ما جرى للنضال الفلسطيني كان نتيجة مؤامرة صهيونية أمريكية ضد حركة فتح وزعيمها عرفات، ويرى المؤلف أن ادعاء المؤامرة ليس صحيحاً وإنما أسباب ما حدث يعود إلى جملة من الأخطاء الاستراتيجية والسياسية الفادحة التي ارتكبتها قيادة ياسر عرفات، وأكد أن ظهور حركة فتح بحد ذاته كان خطأ إذ أدت إلى فصل القضية الفلسطينية عن عمقها القومي العربي، وإن حركة فتح طرحت شعار الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وليس العربي الإسرائيلي، وأجمل المؤلف الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها قيادة فتح في الآتي:
ـ ممارستها لأسلوب العمليات العسكرية من داخل حدود الأردن وسورية بهدف تقديم المبرر للعدو الإسرائيلي للقيام بحربه في الخامس من يونيو 1967.
ـ تشكيل ميليشيات مسلحة في الأردن ولبنان لتحقيق أهداف سياسية.
ـ إجهاض محاولات إحياء الدور القومي للتصدي للعدوان الإسرائيلي.
ـ الاعتراف بالمشروع الاستيطاني الإسرائيلي وحقه في وجود آمن دون مقابل سياسي مكافئ للشعب الفلسطيني، والتنكر لنضال الشهداء والمجاهدين ونعتهم بالإرهابيين.
ـ التنازل عن حق العودة للاجئين المشردين منذ عام 1948، وحق عودة النازحين عام 1967، والتنازل عن الدولة الفلسطينية التي حددتها الشرعية الدولية بالقرار 181.
ـ الاستجابة لمطلب العدو بإنهاء الانتفاضة الأولى قبل الاتفاق على الاستقلال، والتنسيق الأمني مع الاحتلال.
ـ القبول بالحكم الذاتي وببقاء المستوطنات مع الزعم بتأجيل موضوع التفاوض بشأنها لمفاوضات الوضع النهائي.
واقترح المؤلف مشروعاً للتحرك السياسي من أجل وضع الضفة الغربية وقطاع غزة تحت الوصاية الدولية وبحماية قوات دولية لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات بعد انسحاب القوات الإسرائيلية إلى حدود الرابع من يونيو 1967 وإزالة جميع المستوطنات اليهودية تليها مرحلة الاستقلال للشعب الفلسطيني وفقاً لقراري مجلس الأمن 181، و194.
أما تحليل المؤلف للحرب على العراق في 16 يناير 1991 وتداعياتها، والتي جاءت اثر الاحتلال العراقي للكويت في 2 أغسطس 1990 وإعلان العراق ضم الكويت إليه، فيقول المؤلف أن النظام العراقي آنذاك ادعى أن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضده بأنها مؤامرة استهدفت العراق لمنعه من القيام بدوره القومي بزعامة صدام حسين لتحقيق الوحدة العربية وتحرير فلسطين، ويرى المؤلف أن صدام حسين ارتكب العديد من الأخطاء، وأن الولايات المتحدة قدمت الدعم غير المباشر له في حربه ضد إيران، وبالتالي فان الحرب التي جرت عام 1991 ضد نظام صدام حسين جاءت نتيجة حتمية لعدم كفاءته السياسية والاستراتيجية في إدارة الأزمة التي فجرها ضد الكويت، ولو أن صدام لم يغز الكويت لما جرت الحرب ضده، ولو أنه استجاب لقرارات مجلس الأمن الخاصة بغزو الكويت لما وقعت الحرب ضده، وبالتالي يرى المؤلف أن نظرية المؤامرة الأمريكية ضد صدام في عام 1991 تعد بمثابة طرفة.
وفي الفصل السادس سلط المؤلف الضوء على نظرية مؤامرة الرجعية العربية والصهيونية في إفشال الوحدة العربية، وقال إن دعاة الوحدة من مثقفي الأنظمة العسكرية وكُتابها يفسرون فشل مشروع الوحدة العربية خاصة الوحدة السورية المصرية عام 1958 بأنه جاء نتيجة مؤامرة مشتركة بين الرجعية العربية والصهيونية والولايات المتحدة الأمريكية، ويرى المؤلف أنه لا علاقة للرجعية أو إسرائيل والولايات المتحدة في إفشال الوحدة العربية بل إن الدعوة للوحدة العربية كانت مجرد شعارات ونداءات عاطفية وان الوحدة المصرية السورية قامت على أسس واهية وجملة من الأخطاء مما أدى إلى سقوطها السريع بعد ثلاث سنوات من قيامها.
ووضع المؤلف في نهاية الكتاب ملاحق للوثائق التي استند عليها في كتابه لتفنيد نظرية المؤامرة. الكتاب: نقد نظرية المؤامرة
تأليف: عثمان العثمان
الطبعة: الأولى 2003
الناشر: مؤسسة سندباد للطباعة والفنون
الصفحات: 318 صفحة من القطع المتوسط.

عرض: حسني محمد ذياب gazehosny@hotmail.com