عبدالمنعم سالم: القصيدة كائن حيّ حُر ومستقل

حوار أجراه: عذاب الركابي
أكثر الشعراء محبطون

شاعرٌ بطيء في الكتابةِ ..هاديء.. ومتأنٍ في استقبال أمطار إيحائه .. وأضواء حالته الشعرية المُلحة .. يربض – واثقا ً – في إيقاع ِ لغةٍ شفّافةٍ ..صوفيةٍ .. حالمةٍ، مهدت لهُ الطريق للفرح ِ والزهو بفكرة مكتوبةٍ بعسل ِاللحظة وأدمع الصباح الذي يستيقظ معه طفلا ،ًلعبته القصائد والكلمات .. والأخيلة الجميلة .. وهوَ الفخور بمواكب مفرداتها .. وبلاغتها .. وقدرتها على التجدد والتشكل، لأنهُ يرى القصيدة دائما مثابرة .. كشجرةٍ تتفتح .. والقصيدة لديه مالكة كلّ الأشكال .. وقادرة أن تستعيد وتصنع شكلها .. دون التقيد بقانون .. أو الإصغاء لإيعاز طاريء.

شاعرٌ يرى في الشعر الهواء الذي لا يمكنُ الاستغناء عنهُ .. ويرى في الشعراء أنبياء العصر.. رسالتهم أن يجملوا العالم.. فوجدوا أنفسهم في حالة اتهام .. وإحباط.. لأن العالم ضدهم. شاعرٌ علاقاته دافئة .. موقوتة على فتنة القصيدة .. ودفء الإيحاء .. ولهذا اختار أن يكونَ جنديا ً .. في ثكنة اللغة .. وهوَ يتنقل مزهوا ً في حدائقها .. من دراستها .. وشرح أصولها .. وقواعدها لتلاميذه .. إلى السهر على ظلال حبرها كمسؤول سابق بمركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية العريقة .. إلى المبشر ببراكين الشعر القادمة .. يفجرها شباب واعدون يراهم .. ويقرب رئتيه منهم .. وهو يرعاهم في ورشته الإبداعية التي كان يديرها بقصر التذوق بمدينته الإسكندرية .. شاهدا بخطواتهم الواثقة لخلق إبداع شعري جديد.

صدر له ديوان "الآبق من حفل ٍ صاخب" إضافة إلى العديد من المخطوطات الشعرية والنثرية التي ينتظر أن نرى النور.

الشعرُ هواء ُ الشعراء

* الشعرُ عذابٌ.. ورغمَ ذلكَ نراهنُ عليه .. فلماذا؟؟

- نراهن ُعلى الشعر ِأبدا ًلأنّه ُهواء الشعراء، ولأنّ فيه الراحة من هذا العذاب اليوميّ في واقع ٍ أكثر ضجرا، ثمّ أنّهُ قبل ذلك وبعده مسؤولية، على الشاعر أن يتحملها بإخلاص ٍ .. وصبر ٍ .. وشجاعة!

* هل يرتبط ُ الشعر بالأعمار .. أقصد أنّ هناك شاعرا ً يتوهج .. وشاعرا ً آخر يخفت .. وتجفّ ينابيع قريحته .. أمْ أنّ الشعراء جميعا ً في عمر إبداعي واحد؟

- الشعر ُ ذاته هوَ عمر الشاعر!

* تدور من الحين والحين معاركُ طاحنة حول الأشكال الشعرية.. هذا شاعرٌ مجدد.. وذاك ضدّ التجديد.. هل تؤمن بهذه المعارك؟

- هذه ِالمعارك خارج الشعر .. وإن كان لا بدّ من منتصر.. والمنتصر دائما فيها هوَ الشعر الحقيقي .. وكلّ قصيدة تصنع .. وتستدعي شكلها!

* وأنت كشاعر ٍ كبير .. هلْ تضع شكلا ً مسبقا ً لقصيدتك؟ أم تترك لكلماتها حرية المبادرة التي أوصى بها الشاعر الفرنسيّ - مالارميه.. أتتركها تختار شكلها وثوبها الزاهي .. ولغتها الحالمة؟

- القصيدة كائن حيّ حُر.. مستقل، لهُ لغتهُ الخاصة، وعالمهُ المختلف باختلاف بصمات الأنامل.. وأنا في كلّ قصيدة جديدة كمَن يدخل أحراش الأمازون.. لا يدري من أينَ يأتيه ماذا!

* هل استطاعت الدوريات والملاحق الثقافية المتعددة في صحافتنا العربية أن ترتقي بشعرنا؟ كيف تقيم الشعر العربي اليوم؟ مَن ما زال يستوقفك وتنجذب له .. وتقرأه بظمأ؟

- لا ..! لأنّها تركز على المشاهير إعلاميا ً.. وهؤلاء أصبحوا يدورون في دوائر مُغلقة..، وشعرنا العربي هوَ مراث جديدة.. إلا ما ندر ..، ويعجبني من الشعراء العرب: مريد البرغوثي ، وشوقي بزيع، والشاعر السوداني – إلياس فتح الرحمن!

* قصيدة النثر .. قصيدة صوفية

* ما رأيك بقصيدة النثر التي فرضت حضورها الضروري على واقعنا الثقافي؟ ومن خلال عملك السابق كاختصاصي بمركز المخطوطات في مكتبة الإسكندرية.. هلْ اكتشفت فعلا ً أنّ أصول قصيدة النثر صوفية.. وأنّها موجودة قبل التسمية كما قال الشاعر- أدونيس؟

- هيَ كذلك، ولنا في ذلك أمثلة عديدة مثل (طواسين الحلاج) و (الغربة الغريبة) للسُّهروردي، وغيرهما ممن كانت حكمتهم تقوم على أصول كشفية، وعلوم ذوقية، هما جناحا الشعر الصافي، والنصوص الشعرية النثرية تدهشنا بكيمياء جديدة للغة .. والشعراء الذين نهلوا من تراثنا العربي، وبدءوا البداية الطبيعية في كتابة الشعر، يعطوننا نصوصا ًنثرية شديدة الروعة.

* وسؤال مهني بحت .. هلْ وجدتَ اهتماما ً بالمخطوطات العربية من قبل الدارسين؟ كيف تقيم اختياراتهم وتوجهاتهم الأدبية؟

- للأسف ما زالت اختياراتهم محصورة داخل نطاق القضايا الفقهية التي قتلت بحثا ً.. ومساحة الإبداع والإضافة ضئيلة.. وما زالت الآلاف من المخطوطات في كافة العلوم والفنون تنتظر التحقيق .. والخروج إلى النور في هيئة كتاب مطبوع!

* أكثرُ الشعراء .. مُحبطون

* يقول الناقد – غاستون باشلار في كتابه "شاعرية أحلام اليقظة": "سيقدم لنا الشعراء النوادر بصيص نور .. نور بلا حدود" .. إلى أي مدى ينطبق هذا القول على شعراء اليوم؟

- أكثرهم محبطون.. مُحبطون، وكنت أحاولُ في ورشة الشعر بقصر التذوق بالإسكندرية أنْ أوجّه أنظار شبابنا الشعراء إلى هذا البصيص الرائع من النور.. وتتبعهُ حتّى يكبر!!

* حضرتَ ملتقيات ثقافية كثيرة.. ومعارض للكتاب.. هلْ ما هوَ مطروح يحقق قومية الثقافة .. ووحدتها؟

- واقع الكتاب عندنا مُحزن .. لأنّ الاقتصاد والسياسة.. وأشياء أخرى تتحكم فيه.. وأقترح إنشاء الصندوق العربي للكتاب..لأنّ تطوير الكتاب العربي لا يتم إلا بجهد جماعي .. وأموال طائلة!!

* وهل بقيَ للكتابة دور وسط هذا الهزال الثقافي والعري والرخص والابتذال الذي تروج لهُ بعض الفضائيات العربية؟

- هذا هوَ قدرُ الشعراء والكتّاب والأدباء.. وعليهم أن يخوضوا هذهِ المعركة ببسالة .. حتّى النهاية!

* ماذا تقترح لعالم يحكم في الخيال.. والكلمات.. والحبّ .. والعلاقات الصباحية الدافئة؟

- أنْ أحتفظ بقدرتي على التفاؤل.. هذا الإكسير الساحر الذي يبعث الخضرة الدائمة في شجر الروح!