عبدالمنعم الأمير .. 'وحده كان '

دمائي كلها وهج

أبوظبي ـ صدر عن أكاديمية الشعر في لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية في أبوظبي ديوان للشاعر العراقي عبدالمنعم الأمير بعنوان "وحده كان"، وهو أحد نجوم أمير الشعراء في دورته الخامسة، قيل عنه الكثير منها "أن نصه بليغ إلى أبعد مدى"، "عارم النبرات"، "وصل بشعره إلى درجة من الصياغة المحكمة، والقوة الآسرة في التعبير".

يقع الديوان في 116 صفحة متضمناً العديد من القصائد متنوعة الأهداف والأغراض، منها ما كان قد شارك بها في مسابقة "أمير الشعراء" وحقق أصداء طيّبة. وللعناوين في ديوانه صيغة ذات لغة انزياحية جميلة، كما أن مستوى الشعرية ثابت لا يلين، يقبض الشاعر على لغته بأظافر قلبه، يعجنها، يعجبها، تعجبهُ فيكتبها، يخلص لها، يرتكبها فيرتبك بها، ثمّ يعيد ترتيب كلماتها كما يشاء لها أن تتراصف، كتلة شعورٍ غامضٍ على العين، عصيٍّ على الكشف.

هذا ما يفعله الشاعر عبدالمنعم الأمير في تناوله اللغة، إذ يحشد الصور المرتبكة باللغة العاجزة عن التصوير فيلوّنها بأساليب بلاغية ومحسّناتٍ لفظيةٍ، وإن جاءت من صنعةٍ، فقد عبّرت عن إبداعٍ يحيل الكلمات ثلاثيةَ الأبعاد، مُضافاً إليها بعداً رابعاً هو بُعد الدلالة البعيدة القريبة، في لفظة الموت، ومشتقات الفرح التي تنزاح عن معانيها الأصلية ضمن معجمية سحرية للشاعر تصيّرها أقرب إلى مساحة الحداد والحزن.

في نصٍّ له بعنوان "بعض من بوح دجلة" يقرّ بأن اللغة قاصرة عن فهم تعب الشعراء من اللغة، الحياة نفسها. فهو يشكّل حقلاً دلالياً جديداً لكلماتِ الفرح التي ألفناها قبلاً، ليعبّر بها عمّا يسكنه من حزنٍ، للمتعبين، للجياع، وغياب الحياة عن الحياة، يقول فيها:

ماذا "بباب الطوب" يغري مقلة

في ساحليها ألف كون يغرق؟!

المتعبون،

الجائعون،

في ديوان الأمير نجد فرار اللغة من عبث الشاعر بها، يحيلها أجمل وأقدر على حمل فضاءات الكلام واتساع العبارة، ويجعلها أكثر قابليةً على الرقص في حلبة البلاغة في جاذبية الصدم وبلاهة الاندهاش، بل يطوّعها للتعبير عمّا يسكن الشاعر من إلهام يتراقص في مخيّلته كماء عذب يترقرق في قارورة عطر، أو نافورة وسط ساحة مدينة لا يفهم لغتها إلا الشعراء.

هو في اللغة الشعرية يقصف ظهر الأفعال، ويقتل عمر الأسماء التي وقعت في المكان الخطأ ممّا تحمله اللغة من دلالات، فالفرصة لا تواتيه بل يواتيه الفراق، ولا يوافيه الصديق في دفء ابتسامة بل في صقيع موت، ولا يحالفه الحظ بل الغرق.

هي اللغة في حياتها الفاضحة للموت، وإحيائها على يد الشاعر، وحيائها عن مقاربة الفرح، حين يضيع الشاعر عن ذاته، عن إيجاده في زحمةٍ لا تسير وغبارٍ لا ينقشع، كأنه الموت.

هي لغةٌ تدخل سرداب اللحظات الضيقة، ليتسع المدى بآلاف الطيور العائدة، بأطياف الأحبة الذين ناداهم الموت إليه، فأبقاهم الشاعر قيدَ يديه، حفنةً من غبار الذكريات التي تتشكل كحبات رملٍ في كثيبٍ ذهبي الملامح، ذي وجهٍ لرجلٍ أرمل، لشاعرٍ من رملٍ وحنين، له خمسةُ أصابع صافية من أصدقاء، وأضلاع تتضرع إلى الله في بكائية الموت وجنائزية اللحظة السوداء للقصيدة، تكتب بيدٍ تلوّح لغيمة المطر العتيق، في قصيدته الكون مني أنا يقول:

لا لن أموت،

دمائي كلها وهج

يطارد الموت في أوكاره شمما

هذي حياتي – أنا -

السؤال مفتاح كلّ الإجابات، والشعر كلٌّ دافقٌ بالشّكِّ، حافزٌ على الأسئلة، محرّضٌ على الإجابة عنها، عبدالمنعم يرسم الأسئلة مدخلاً إلى النفي، ويبدأ بذاته الشاعرة لينتهي إلى لحظة العدم، وارثاً قصيدةً لم يكتبها للموت الشعراءُ إلا بموتهم، في لحظة انكشاف الموت أمام أعينهم، كأنه الوميض الشهبي في العتمة، أو لحظة ما قبل الكتابة.

ويذكر أن الشاعر عبدالمنعم الأمير من العراق تميز كأحد أبرز نجوم مسابقة أمير الشعراء كما أنه يترأس اتحاد الكتاب العراقيين في نينوى.