عبدالستار ناصر من محلة الطاطران إلى سوق السراي

بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف
لا تسرق الورد

وأنا في مدينة مندلي بمحافظة ديالى، قرأت لعبدالستار ناصر، القاص والروائي العراقي الكبير، وأعجبت بما قرأت، ووجدت أن الرجل يمسك بتلابيب الحدث ويظهره للقارئ، وكأنه يخرج من عدسة مصور فوتوغرافي محترف، وأيقنت بعيداً عن ما يكتبه النقاد والباحثون، أن عبدالستار ناصر، يقف علماً شامخاً في عالم القصة والرواية العراقيين.
ومنذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، وأنا أتابع واقرأ لعبدالستار ناصر، كما أتابع واقرأ ما يكتب عنه. وقرأت قبل أيام أحدث كتاب صدر له وكان بعنوان "سوق السراي"، فوجدت أن ناصر قد أطر بعضاً من مقالاته النقدية في كتاب يوثق لجانب مهم من جوانب المشهد العراقي المعروف بغناه، وعمقه، وحيويته.
وعلمت مما قرأت أن عبدالستار ناصر، مع أنه بعيد عن هذا المشهد جسدياً، حيث أنه يسكن في عمان بالأردن منذ مدة، إلا أنه قريب من المشهد روحيا. وحسناً فعل عندما أطلق على كتابه "سوق السراي"، فسوق السراي يشبه سوق أو سور الأزبكية في القاهرة. فعلى أرصفته، وعلى جنبات السوق ينتشر الفكر العراقي وتتنوع اتجاهاته. هذه كتب في الفلسفة، وتلك في الرواية، وأخرى في النقد، ورابعة في الاقتصاد. نجد مصطفى جواد، وعلي الوردي، وفي الوقت نفسه نجد غارثيا ماركيز، ونزار قباني.
يجول عبدالستار ناصر في كتب محمد خضير، وأرشد توفيق وعزيز الحاج، وفاتح عبدالسلام، وبتول الخضيري. ويقف عند مقولات جان بول سارتر حول القصة، وأوهام وآلام غالب هلسا وحيدر حيدر وديستوفسكي وغيرهم.
ولد عبدالستار ناصر في جدوع الزوبعي في السابع من يونيو/حزيران سنة 1947، فهو إذن من جيلي، جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، ومن حسن حظ جيلنا هذا، والذي لا يزال واثقاً على قدميه في ساحة الفكر، والسياسة، والأدب، والثقافة، والاقتصاد، والاجتماع، والهندسة في العراق، أنه جيل معطاء، جيل مبدع، جيل خبر الحياة وعاشها بكل دقائقها، ولا يزال يعاني ويكابد ويتواصل.
عين عبدالستار ناصر في وظائف عديدة منها مدير تحرير مجلة "التراث الشعبي" البغدادية.
كتب عنه صديقنا حميد المطبعي في موسوعته "أعلام العراق في القرن العشرين"، فقال: إنه قاص وكاتب. بدأ الكتابة مبكراً وأصدر العديد من كتب القصة والرواية والنقد منها: "لا تسرق الورد رجاءً 1978، دمشق، و"الحب رمياً بالرصاص" 1985ـ دمشق، و"نساء من مطر" 1987.
كتب عنه الكثيرون منهم مالك المطلبي، وياسين النصير. له نشاطات عديدة منها عضويته في اتحاد الأدباء والكتاب وحضوره ندوات ومؤتمرات وحلقات نقاشية.
وهو الآن (2010) في قمة عطائه حتى أنه في سنة (2007) أصدر ستة كتب. ويقول إن مازال لديه الكثير، رغم ما يعانيه من مرض في القلب، ولجوئه إلى عملية جراحية أجراها في إحدى مستشفيات عمان 2009.
من إنجازاته الجديدة "الشماعية"، وهي رواية صدرت عن دار المدى بدمشق 2009، والعراقيون يعرفون الشماعية أنها مستشفى الأمراض النفسية والعقلية ببغداد. إنها ليست تحقيقاً صحفياً بل مقاربة أدبية ترصد ما كان يحدث، ويمكن أن يحدث في الحياة هناك، في ظل الزلزال الذي عصف بالعراق إثر الاحتلال، فنزلاء مستشفى "الشماعية" انفلتوا من قفصهم، وباتوا يسرحون في طرقات بغداد وأزقتها. والرواية تحكي ما جرى في العراق أثناء الاحتلال وبعده.
في كتابه "سوق الوراقين" يقدم عبدالستار ناصر شهادات لكتاب، وأدباء، وقصاصين، وروائيين، تركوا بصماتهم في عالم الثقافة الإنسانية الرحب، وفي كل تلك الشهادات تبرز حقيقة لا بد من معرفتها وهي أن الحياة في تغيير دائم. في صيرورة دائمة. لا شئء مؤكد. الكتاب بحد ذاته عبارة عن رحلة مع المبدعين.
أما في كتابه "الهجرة نحو الأمس" فهو أقرب إلى كتاب السيرة من أي كتاب آخر. في محلة الطاطران البغدادية، حيث ولد تبدأ الحكاية، ومع قصص أرسين لوبين ينشأ الفتى. يقول: "بداياتي مدهشة بأوجاعها وإفلاسها وزينة أخطائها..."، علاقاته مع الخطيئة فتحت باب الكتابة أمامه وعمره لما يزل صغيراً لا يتجاوز الـ (15) عاماً.
نشر قصته الأولى في مطلع الستينيات من القرن الماضي في جريدة "الأنباء الجديدة". والغريب في الأمر أن الناقد اللبناني غسان كنفاني كتب عن مجموعته القصصية الأولى التي صدرت سنة 1969 بعنوان "الرغبة في وقت متأخر"، وقال بالحرف "إنه كاتب يجوس بفانوسه الطابق السلفي من المدينة". وانتشى عبدالستار ناصر وفرح وأصر على الذهاب سريعاً في عالم القصة عندما قال عنه كنفاني إنه من أحسن كتاب القصة القصيرة في الوطن العربي.
وكان من الطبيعي إن يكثر الحساد، وتنتعش روح الغيرة في البعض ممن لا يعجبهم العجب ولا الصوم في رجب. لكن عبدالستار ناصر مضى وصرنا نقرأ له قصصاً قصيرة مفعمة بالانفعالات الإنسانية. أتذكر أنني قرأت له كثيراً في الثمانينيات من القرن الماضي. وكنت أحس بأنه ليس كاتباً عادياً. وليس كاتباً مطواعاً، إنه كاتب ثائر، وكاتب بناء. وكاتب محاط بالزوابع دائماً، كما وصفه الناقد علي جعفر العلاق.
لم يكن عبدالستار ناصر كاتباً فاشلاً، كما يحب إن يصف نفسه. هذا الكاتب الذي تزخر كنانته بقرابة 40 عملاً في النقد والقصة والرواية كيف يكون كاتباً فاشلاً؟ إنك يا عبدالستار ناصر (وثيقة). بها نؤرخ لحياتنا وما جرى فيها طيلة الـ 60 سنة الماضية فكيف تكون فاشلاً؟
ويقيناً أن هذا ليس رأيي وحدي، وإنما رأي كل منصف. قد استطيع في هذا المقال إن أبشرك بأنك قد حفرت لنفسك طريقاً، وبنيت لك مكانة ليس من السهل المرور من أمامها مر الكرام في تاريخ حركة الثقافة العراقية المعاصرة.
يقينا أن لعبدالستار ناصر بصمة وبصمة كبيرة في جدار حركة الفكر والثقافة في العراق. فتاريخه القصصي، والروائي، والنقدي جزء من تاريخ العراق الثقافي المعاصر، وهذا ليس منة من المؤرخين وإنما هي الحقيقة.
فيما كتب فؤاد التكرلي من روايات وقصص عبر المدة من 1947 وحتى 2009، أرخ للعراق ولما جرى فيه، وفيما كتبت أنت استكمالا لما بدأه التكرلي، ومن قبلكما محمود أحمد السيد، وذو النون أيوب وإضرابهما من مبدعي العراق وقادته الثقافيين. عندك العافية والعمر المديد ودمت يا عبدالستار ناصر. أ‌. د. إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث –جامعة الموصل (العراق)