عبدالحميد شوقي يرى أن الشاعر تقني لغة

حوار أجرته: عزيزة سوزان رحموني
لا يوجد نموذج صوري مسبق يتحقق بالكامل

عبد الحميد شوقي شاعر فيلسوف تداعيات لغته قد تكون مشهد رثاء للإنسان الضائع في هذا الكون الفسيح، قد تكون سنابل تبكي حافية العيون، وقد تكون فيضا يغرق النهار قصائد تعيد للعالم توازنه. معه اليوم نفتح حوارا عسى يفتح لنا جداوله لنسبح معا في عوالم مسافة بضع أسئلة.

• كيف تقدم نفسك للقارئ العربي؟

ـ عبد الحميد شوقي شاعر منذ أكثر من ثلاثة عقود، أخطأ موعده مع الانتشار، ربما لأنه كان منذورا للصمت منذ أن أخبرته عرافة الشعر أن أرض "طيبة" الشعرية لن تفتح له أبوابها إلا إذا استحقتها فروسيته الإبداعية.

• إذا تداخل الشعر بالفلسفة ألا يحس أحدهما بالضيم؟ ألا تنتج بينهما علاقة جذب واعتراض؟

ـ دعيني أخبرك أولا بشيء. لقد أتيت إلى الفلسفة من الشعر، وعدت إلى الشعر من الفلسفة. كنت شاعرا في سن مبكرة، في الخامسة عشرة من عمري. شغفت بالشعر كتابة وقراءة، ومن يومها لم أنقطع عنه نهائيا. أستطيع القول إنني اكتشفت عالم الشعر بمفردي من خلال الكتب المدرسية والنقدية.

تعرفت على الشعر العربي القديم بإيقاعاته وبحوره وطبقاته وأعلامه وصراعاته من خلال عيون أمهات الكتب القديمة وصولا إلى الشعر الحديث والمعاصر. تمرست بأساليبه وحقوله وفضاءاته إلى درجة أنني أستطيع معرفة بحر القصيدة من مجرد أول كلمة في البيت الشعري. لكن الفلسفة لم أتعرف عليها إلا ابتداء من سنتي الثانية بالثانوي، وبعد ذلك بالكلية. اخترت شعبة الفلسفة لأنني شعرت أن الأدب هو عالمي وملكي وفتوحاتي، ولن تضيف إلي شعبة الأدب أي جديد. لهذا اخترت شعبة الفلسفة.

لم أشعر نهائيا بهذا الصدام بين الفلسفة والشعر، بين الشعور والعقل، بين الفكرة والصورة، بين الانسياب الجمالي والتناسق المنطقي. ارتباطي الأمومي بالأدب جنبني أن أكون شاعر الفكرة فقط. لكن تكويني الفلسفي جنبني أن أكون فقط شاعر العبارة والغنائية.

علمتني الفلسفة شيئا أساسيا وهو ما أسميه "وعي الكتابة". كنت دائما أضع تجربتي الإبداعية موضع تأمل وتساؤل ونقد، مثلما كنت أفتح نصي الشعري على ما يمكن تسميته بالممكن المعرفي. ولذلك كثيرا ما كان أصدقائي يقولون لي: إن نصوصك تتميز بالسفر والتأمل. بفضل الفلسفة، لم أكن مجرد كاتب يقدم نفسه لنفسه وللعالم ككاتب فقط، بل كنت كذلك في مواجهة الكتابة. كان علي أن أتخذ موقفا منها يجعلني أصادر على أن النقص هو شرط بنيوي للنص الإبداعي. وهو ما يدفعني باستمرار إلى عدم الاطمئنان والركون إلى مستوى محدد. منحتني الفلسفة قلق السؤال وقلق الوجود. ولذلك لم تكن لغتي محض غنائية ومحض فكرية.

• بين الفلسفة والشعر كيف تسرج اللغة وتهادنها؟

ـ لأن قاموسي فلسفي ويحيل على حقل تداولي فلسفي، فإنني في كثير من الأحيان أجد سوء فهم وتأويل لبعض الكلمات التي أستعملها. مثلا في قصيدة "حدوس منفلتة"، فهم البعض كلمة حدوس بالمعنى اللغوي الذي يفيد القدرة على التكهن والتنبؤ المرتبطين بما نسميه الحاسة السادسة. هكذا نقول مثلا: حدست بشيء، أي توقعت حدوثه، أو خامرني إحساس بوقوعه. لكني هنا لا أعني هذه الدلالة، بل إنني أحيل على المفهوم الكانطي للحدس الذي يعني الطريقة البسيطة والمباشرة لتمثل أشياء التجربة.

أردت أن أقول بأن حدوسي هي مجموعة من التمثلات المنفلتة من كل حمولة دينية أو اجتماعية أو أيديولوجية. إنها حدوس ذات تحاول البروز من أجل فرض نفسها خارج كل سلطة مهما كانت. إن ما يهم في اللغة ليس الكلمات في حد ذاتها بل الحقل الذي يستوعبها ويؤطرها. لهذا عليك أن تجد لغة خاصة بك. ومن أجل ذلك فأنت لا تجد كلمات جاهزة للاستعمال بل يتوجب عليك تكسيرها وإعادة لملمتها من جديد بما يخدم رؤيتك الذاتية للعالم والأشياء.

نحن لا نحارب زيف الواقع والقيم بل نحارب كذلك ثقل الكلمات المحملة بدلالات لم يكن لك دخل فيها. إنني أعتبر الشاعر "تقني لغة" لا بالمعنى الذي يجعل منه لغويا يبحث عن مصطلحات جديدة لأشياء حديثة، بل بالمعنى الجمالي والفكري الذي يتيح للذات الشاعرة الكشف عن الإمكانات الهائلة والخلاقة التي تتوفر عليها اللغة.

• هل يمكن أن تكون القصيدة فراشات شرسة تأبى الانقياد؟

ـ القصيدة تشبه أنثى. كل واحد فينا يمتلك صورة للأنثى في مخيلته شكلتها سنوات الطفولة والمراهقة والنضج. لكننا نخضع هذه الصورة للواقع عندما نلاقي أنثى حقيقية من لحم ودم. نبحث عن نظير مطابق لما في مخيلتنا، لكن الوعي ونضج مفهوم الواقع يجعلاننا ندرك أننا امام أنثى فعلية صادفناها في شارع أو مقهى أو شاطئ أو مؤسسة. هكذا تتصادم الصورة والواقع لينتجا شيئا لم يكن متوقعا نهائيا ولم يكن مخططا له. هذه هي القصيدة. لا يوجد نموذج صوري مسبق يتحقق بالكامل، وإلا تحولت القصيدة إلى نظم، ولا توجد قصيدة تولد من عدم، وإلا أصبح الشعر فوضى وبلا ضفاف.

• متى تكون القصائد مائية تسيل شذرات؟

ـ هذا عنوان مجموعة شعرية لي لم تر النور بعد. منذ صدور مجموعتي الشعرية الأولى: "كنت أهيئ صمت الانتظار"، قال لي بعض الأصدقاء: قصائدك طويلة ويغلب عليها الطابع السردي. كانوا على حق. كنت أحس أن رؤيتي الدرامية للوجود لا يمكن ان تتأطر ضمن قصائد قصيرة. السرد إحالة على التاريخ، والتاريخ هو وعي مأساوي بالماضي، والماضي لا يستعاد كما هو، بل ضمن شروط الحاضر الذي تعيشه الذات. كنت أحاول أن أتأمل هذا الامتداد الطويل الذي قاد الذات إلى وعيها الشقي، كما تعيشه في الآن والهنا. ولذلك لم تكن قصائدي محض مقطوعات غنائية فقط، بل هي تعبير عن كثير من المفارقات الإنسانية: الحياة/الموت. الحب/الحرب. الذات/الآخر. الماضي/الحاضر. ولعل قصيدتي "وقائع حب في زمن الحرب" من أبرز النصوص المعبرة عن ذلك. ثم انتبهت إلى أنني استنفدت هذا الأسلوب، فكان علي أن أجد أسلوبا آخر. هكذا تحولت القصيدة إلى شذرات مائية، إلى ومضات تحاول القبض على لحظات مارقة في الزمان. ابتدأت هذه التجربة في قصيدة "افتراضات وحيد القرن" وصولا إلى " شذرات لقصائد مائية".

• لمن يهيئ عبد الحميد صمت انتظاراته؟

ـ أود أن أشير في البداية إلى أن هذا العنوان يرجع في الأصل إلى مسألة عادية تماما. كان الأصدقاء يلومونني على تأخري في إصدار مجموعة شعرية، خصوصا وقد بدا لهم أن تجربتي وصلت إلى درجة من النضج لم يعد مسموحا معها أن أتأخر عن الإصدار. كنت لا أجد جوابا لإصرارهم سوى صمتي. كان سؤالهم: ما الذي يشغلك عن الإصدار؟ ما الذي تفعله؟ عندما أصدرت، كان جوابي عن أسئلتهم: كنت أهيئ صمت الانتظار. يعني كنت مشغولا بإنضاج صمتي الذي تنتظرونه. لكن في الحقيقة أنا كائن منذور للصمت. كائن منحوت من صمت. وكما قال بيكيث "الصمت لغتي الأم". الصمت هنا بالمعنى الفلسفي تأمل وتفكير وسفر في خبايا الذات والعالم. الصمت عدو البلاغة. معظم القصائد العربية التقليدية هي قصائد بلاغة وهتاف وكلمات فخمة لكن من دون قدرة حقيقية على التأمل بالمعنى اليوناني الذي يفيد انخراط الذات في مأساوية العالم من خلال مواجهة الغموض الذي يسكنه والذي عبروا بنه بمفوهم القدر. ابتداء من جبران والشابي وصولا إلى أدونيس ابتدأت مرحلة الصمت الذي يفيد الاندهاش والانبهار أمام الطبيعة. تذكري قصيدة "أعطني الناي وغني" لجبران وديوان "إرادة الحياة " للشابي ومعظم أعمال أدونيس، نجد حوارا مع الطبيعة والعالم والأشياء أكثر مما نجد بلاغة متماهية مع بلاغات موروثة ومستنفذة.

• كيف لزهرة الأمل أن تكون مرثية؟

ـ زهرة الأمل هنا هي تلميذ حقيقي درس على يدي منذ سنوات قليلة جدا. كان شعلة من الذكاء والاجتهاد والأخلاق. فجأة أصيب بقصور كلوي، وكان في سنته الثانية من الثانوي. انهارت حياته تماما. كان عليه أن يقوم بتصفية دمه مرتين كل أسبوع بمدينة غير قريبة، مع ما يعني ذلك من تحول تراجيدي ليس في حياته فقط بل في حياة كل عائلته. ومع ذلك كان يصر على الدراسة. حتى وهو على فراش المرض كان يصر على مراجعة دروسه وتحضير امتحاناته رغم اعتراضات الأطباء. نجح في تلك السنة ونجح في نيل البكالوريا في السنة الموالية. وكان يهيئ دراساته العليا العلمية بكل تحد للمرض. بل كثيرا ما التقيته بالأمسيات والأنشطة الثقافية التي كنا ننظمها بالمدينة. كان يبدو مثل طائر الفينيق الذي ولد من رماده. لكن القدر كانت له كلمة أخرى. في هذه السنة تدهورت حالته بشكل خطير جدا، وأسلم الروح في شتاء هذا العام. كان خبر موته فاجعة في المؤسسة التي أدرس فيها، خصوصا وأن والده كان زميلا لي بنفس المؤسسة. في صباح موته لم أستطع أن أنجز حصتي كالمعتاد. طلبت من التلاميذ الوقوف دقيقة صمت تكريما لروحه. سمعت بكاء التلميذات والتلاميذ. كان مشهدا حزينا وإنسانيا. لا أحد كانت له القدرة على تحمل فاجعة الموت. هو الذي كان يشبه زهرة أمل رحل الآن. عندما عدت إلى المنزل كتبت "مرثية لزهرة الأمل". كنت فقط أحاول أن أقول له: بنعيسى أنت أقوى من القدر.

* ما حكاية رابينة التي كتبت عنها في وقت ما؟

ـ أنت تشيرين إلى روايتي الأولى المخطوطة "الموت في رابينة". رابينة هي اسم مستعار للمدينة التي شهدت ولادة أسئلتي وقلقي. بدأت كتابة هذه الرواية مننذ سنة 1991، ولم أكملها سوى في السنة الماضية، ولا تزال في حالة مراجعة وتنقيح. هي تبدأ بمشهد اغتيال "علي غريب" الشخصية المركزية في الرواية، ولكنني اتخذتها مناسبة كذلك لإفساح المجال لذاكرة المدينة وشخوصها وأمكنتها وعوالمها وروائحها. مع "رابينة" اكتشفت أنني أعود إلى حبي الأول وهو الرواية. بل إنني اكتشفت أعضائي الروائية التي ظلت متخفية وراء الأعضاء البارزة للشعر. وقد أعطتني الفرصة لأكتب رواية أخرى وأنهمك في إنجاز نص سردي ثالث.

• حين تنفلت الحدوس على ربوات الحلم ما الذي يقطفه عبدالحميد من ظلال؟

ـ ليس لحدوسي سوى ظل واحد: الحياة. الحياة وهْم نُدْمنه بافتتان على طول ديمومتنا اليومية. حدوسي هنا مطر يجدد انسياب الحياة ضدا على تكلس التاريخ الذي لا يريد أن يموت ليترك الحياة تمارس شغبها الجميل. تجد الذات نفسها أمام بشاعة المشهد الذي يرثي الحياة عوض أن يدمنها، ولهذا تتلمس نفسها لتتيقن من وجودها الحيوي لتعلن إرادتها ضدا على كل الأوثان:

أحب يدي

حين تمتد نحو النجوم

وتلمس ضيق السماء

بأسئلة القلب

وريبية الأشياء..

أحب وعيي

حين يرفع حدوسه الأولى

أعلى من مئذنة الحي

وأقربَ من سكون طير

على أسلاك المساء..

• متى يعزف عبدالحميد منفردا؟

ـ حين أجد في الفضاء العمومي ما يدل على شهوة الحياة وكبرياء الفكر وقيمة الإنسان، وحين أجد ما يبعث في قلمي جرأة الكلمات وعمق الأفكار وجمال الصياغة. العزف يشبه خمرة رفيعة تمنحك الشعور بلذة اللحظة وغموض الأعماق.

* خارج الخواطر وداخل الأمل ينام الهدهد أو يصحو في كلتا الحالتين ماذا يكتب عبدالحميد خلف الشبابيك الموصدة؟

تحت الشبابيك الموصده

في الليل الشتوي البارد

أشعل تبغي

لأدفئ أصابعي المجمده

وأرسل قبلتي

عبر التواءات الدخان

إلى رحيق شفاهك المورده..

هكذا كتبت في قصيدة "شبابيك موصدة". خلف الشبابيك امرأة ما.. حلم ما .. شهوة ما.. أسرار ما .. تفاصيل صغيرة أحاول التعبير عنها بشكل حميمي: كل الأشياء أنتِ :

زهرة اللوتس والطرقات المبللة..

ملوحة الذرة الساخنة

وارتعاشات المواعيد الليلية..

اهتزاز النهد

واختباء العصافير في المساء...

القصيدة نفسها شبابيك موصدة. والشاعر دون جوان يقف تحت تلك الشبابيك وعليه أن يصنع من الكلام ما يغري بفتحها. لكن الدون جوان محتاج إلى قدر من التخيل والذكاء لكي يمنح كلامه القدرة على الإغواء. ولن تفتح الأنثى ما لم تسمع ما يهز عالمها الباطني ويغريه بالمغامرة. هكذا تبدو علاقة الشاعر بقصيدته. إنه دون جوان جسور وجميل ومتحذلق أو مجرد شخص عادي يردد كلاما مكرورا لا يغري حتى الفراشات العابرة.

• الشاعر لا يسمح لروحه وحرفه بالانبطاح حتى لو دخل خطوط الضياع. عبدالحميد كيف يواجه بياضات الوقت وفراغات الأيام؟

ـ خطوط الضياع هي القصيدة الوحيدة في "كنت أهيئ صمت الانتظار" التي تتحدث عن الفلسطيني الذي يقف على حاجز الجمارك ويكتشف ضياعه عندما يتم منعه من دخول الوطن. لكنه لا ينبطح وكذلك لا يهتف. هو يحاول فقط أن يحلم بالأرض وبالحياة وبالممكن.

البياض صنو للفراغ. وإذا كانت الطبيعة تخشى الفراغ كما يقول أرسطو، فالشاعر يخشى الفراغ الأبيض الذي يستلذ فيه كسله الفني ويدخل مرحلة البيات الشتوي حيث يستهلك طاقة أقل من مخزونه الذاتي. ليس في الأيام فراغات وإنما في طريقة عيشنا وتخطيطنا. هناك دوما شيء جديد وهناك دوما ما يجب أن ننجزه. والشاعر الذي لا يجدد ثقافته ومقروئيته ورؤاه هو الشاعر الذي يحس بتثاقل الزمان وفراغ الأيام. لذلك يجب أن ينظر الشاعر لنفسه مثل حرفي حقيقي عليه أن يفتح ورشته يوميا وأن يطور أدواته وطريقة اشتغاله على المادة وأن يحترم الزُّبُن (جمع زبون). الزبون، وهو المتلقي هنا، هو شريك فعلي في تطوير الأشياء. فذوقه وطلباته يؤثران في طريقة اشتغال الحرفي. نفس الشيء بالنسبة للشاعر في علاقته بالمتلقي.

• في الأيام الماطرة، بماذا تقطر سماء عبدالحميد وأي الضفائر يقبِّل؟

ـ لا يوجد في سمائي غيري. وحدي أنا أطل على الزمان وأشاغب الأيام وأوشوش أنثى من مطر:

وحدي أطل على صباح ضفيرتيك

أعيد بدء الحكي من قسماته الأولى

بُعَيدَ الوقت

قبل تساقط الكلمات في عبث الوداع..

هي ضفائر الحبيبة التي تشبه مزاجا يطل من شعيرات عروقي ويمنحني قهوة نصفية ويجعلني أراها باذخة كيوم ممطر. هي إشارة الى قصيدتي "ليلة ماطرة" التي حاولت فيها تعقب امرأة من خلال ضفائرها وروائحها وشهدها ورقصها وامتناعها ومن خلال صمتي وفرحي وارتعاش فمي. من خلال فعل التداعي الحر الذي يجعل كل عنصر يقود نحو عنصر آخر بحثا عن الأنثى المشتهاة المتخفية في الدروب والشرود ودفاتر الكتابة، ومن خلال مجموعة من الأسئلة النابعة من الرغبة كفعل غريزي وجنسي، حتى الوصول إلى الضياع كضفة غامضة تمنح العلاقة بالمرأة كامل حيرتها العاطفية.

• ماذا يقول عبدالحميد عن الفعل الجمعوي ودوره في إشعاع الإبداع عموما؟

ـ كمسؤول في جمعية ثقافية، أعتقد أن الفعل الجمعوي يقتصر فقط على دور التربية الذوقية وتشجيع الفعل الإشعاعي والمساهمة في انتشاره. لكنه أبدا لا يعلمنا شيئا عن الفعل الإبداعي، لأن هذا الخير هو تجربة ذاتية فريدة ومتميزة وعير قابلة للنقل والتعليم. لا نتعلم أن نكون شعراء في جمعية ثقافية، لكن نتعلم كيف نصغي، كيف نتذوق، كيف نتلقى، كيف نحترم الفعل الجمالي عموما. الفعل الجمعوي الإشعاعي هو فعل غير ربحي وغير مادي وغير جماهيري حتى، لذلك لا نستغرب نخبوية الأنشطة الإشعاعية، لأن الشعر نفسه نخبوي. لكن الفعل الجمعوي لا يبدأ مع الجمعيات والهيئات الثقافية بل يبدأ من داخل الأسرة حيث ينقل الطفل ويتأثر بمحيطه العائلي. فكلما الأسرة تبدي احتراما للكتاب أولا وللأعمال الإبداعية ثانيا كلما هيأناه ليكون عضوا جمعويا قادرا على المساهمة الفعلية في كل نشاط جمعوي.

* ماذا تعني لك الكلمات التالية:

ـ عبث الوداع

تراجيديا العلاقة بين الرجل والمرأة من خلال فعل العشق كفعل غير عادي تتجاذبه مفارقات الحياة والموت .. الوصال والانفصال.. الشهوة والعفة.. الجسد والروح.. الحب والكراهية.

ـ أراجيح الطفولة

مشهد الطفولة والذاكرة المستعادة والبلدة التي تبدو كأم غائبة، لا نحس بأمومتها إلا لأننا نفتقدها ونبحث عن فعل الإعلاء بمجموعة من الأنشطة الإبداعية التي تعوض الأم.

ـ حقول اليد

في قصيدتي: بلدة تشبه انتظاري، أقيم مقابلة وتوازيا بين حقول الفلفل الفسيحة في بلدتي وخطوط يدي. لكأن الذاكرة لا تستعاد إلا من خلال تأمل الذات لجسدها الخاص، حيث لا يعود الجسد مجرد هيكل عضوي بل هو حامل لتضاريس البلدة وكل تجاعيده هي تاريخ عضوي لمسقط الرأس وفضاء اللعب ومرتع الدراسة.

ـ مذاق الليل

لليل مذاقه الخاص مثلما للقهوة مذاقها الخاص. وربما يبدو هناك نوع من التشابه اللوني بين القهوة والليل. لا يمكنني كشاعر أن أكتب ما لم أحس بمذاق ما وأرى مشهدا ما وأسمع صوتا ما وأشم رائحة ما، بل يجب أن نرى ما نسمعه ونشم ما نلمسه ونسمع ما نتذوقه. وإلا تحول النص الشعري إلى مجرد لغة ميتة لا نبض فيها. إذن كل قصيدة هي بمثابة مذاق ليل بالنسبة لي.

ـ صورة منحوتة

هي الخلفية اللاشعورية الضاربة في القدم التي تقود كل رؤية وكل فعل. على الشاعر أن يبحث في أعماق لاشعوره عن هذه الصورة لكي يعبر عن نبضه ومجده وذاته وليس عما يجده جاهزا. وكما قال ماريا ريلكه في إحدى رسائله إلى شاعر شاب: عندما يحس الشاعر بأزمة إبداع ويأخذ في تكرار نفسه، عليه أن يغوص في أعمق أعماق ذاكرته وطفولته وصولا إلى مياه الذات الجوفية. هناك سيعثر على كنز لا يفنى من الصور والأساليب الإبداعية. هذه المياه الجوفية هي ما أسميه هنا بالصورة المنحوتة.

عزيزة سوزان رحموني ـ المغرب