عباس علام يحل لغز فكتوريا موسى اليهودية

بقلم: مصطفى نصر
من أعمال عباس علام

عباس علام كاتب قصة تعرفت على عباس علام منذ سنوات طويلة جدا، فقد كنت مولعا بجمع المجلات القديمة (الهلال، المختار .. الخ) من باعة الكتب القديمة في شارع النبي دانيال بالإسكندرية.
فقرأت له قصة منشورة بمجلة الهلال عام 1947 ـ نفس العام الذي ولدت فيه ـ ونسيت اسم الكاتب، لكنني ظللت أذكر القصة وأحكيها لمعارفي، في ذلك الوقت، وكأنها حادثة مهمة تستوجب أن أحكيها.
كانت القصة بعنوان "صراع الروح والجسد" وهي تحكي عن طبيب أعصاب معروف اسمه سعد بك، كان صديقا لأسرة كبيرة ذات مال وفير ومكانة عالية، يتردد عليها ويتحاور مع كبيرها الذي أخبر الطبيب بأنه سيزوج ابنته سميرة ذات الثالثة عشرة من عمرها إلى طاهر باشا الذي بلغ الخمسين الآن.
دهش الطبيب وعارض هذا الزواج غير المتكافئ؛ لكن الأب أصر. وتزوجت سميرة وأنجبت ولدها حسينا بعد عام من الزواج، أي أنجبته وهي في الرابعة عشرة من عمرها، ثم ترملت وهي في العشرين.
ومرت السنين ثم جاء حسين إلى عيادة الطبيب طالبا منه أن يأتي معه لفحص أمه المريضة التي أصرت ألا يفحصها طبيب غيره. ودخل الطبيب القصر مع حسين، فقابلهما شاب في ند عمر حسين تقريبا، فقدمه حسين على أنه "محمد رأفت صديقه."
ورأي الطبيب سميرة هانم وهي في شبه غيبوبة، اقترب الطبيب منها وسألها: ألا تذكرين وجهي؟
ففتحت عينيها قليلا وقالت: أنت رأفت، ألست رأفت؟
وعرف الطبيب أنها تقصد محمد رأفت صديق ابنها، وأن هذا الشاب يدخل القصر منذ عهد الطفولة وتعتبره سميرة هانم ولدا ثانيا لها، ويعدها أما ثانية له.
ولامها الطبيب قائلا: أنت مازلت صغيرة.
فقالت في أسى: صغيرة؟ إن رأفت يدعوني "تيزة".
وعرف الطبيب مشكلتها، فهي تحب الشاب الصغير صديق ابنها، لكن المجتمع الذي تعيش فيه والعادات والتقاليد يمنعونها من أن تفعل شيئا حيال هذا الحب الذي لا تقوى على احتماله، فساءت حالتها، وماتت بعد أيام قلائل، فقد تصارع جسدها الإنساني بما فيه من غرائز ومغريات مع روحها الملائكية التي يسودها الطهر والتسامي، وكانت تكبت إحساساتها وتقهر جسدها.
***
شدتني إلى هذه القصة أشياء كثيرة تضافرت معا، منها حال النساء في مصر خاصة في محيط حينا الشعبي، وفي مجتمع أقاربنا أبناء الصعيد، فالمرأة إذا مات زوجها أو طلقت وهي صغيرة، أصبحت كما مهملا، ويصعب عليها الزواج، فالأسر لا تسمح لأبنائها بالزواج من امرأة سبق لها الزواج من قبل، والذي يغامر ويتحدى أهله ويفعلها، يصير منبوذا ومحتقرا وسط مجتمعه.
وعادة ما يتزوج الأرملة أو المطلقة إما رجل فقد زوجته وفي حاجة لمن تربي أولاده، أو رجل تعس ظروفه صعبة من كل الجهات.
ويذكرني هذا بزميلة لنا في العمل، على درجة كبيرة من الجمال والأنوثة، كانت تهتم بنفسها، فترتدي أحدث الموضات، وتضع المساحيق على وجهها، وتتحدث وتسير بطريقة كلها أنوثة، لدرجة أن زميلا حكى لي بأنه صافحها، وظلت يده ملاصقة ليدها مدة طويلة، نسى نفسه ولا يريد أن يترك يدها.
هذه المرأة مات زوجها الشاب الذي كان يعمل في سفارتنا في لبنان. فرغب في الزواج منها ثلاثة رجال من كبار موظفي الشركة، رفضتهم جميعا قائلة "لقد ترك زوجي لي ثروة كبيرة، فماذا سيقول الناس عني إذا تزوجت؟"
ومرة سمعت امرأة تحدث أخرى من خلال النافذة والشرفة عن جارة لهما، قائلة: ما دام زوجها ميت، فلماذا تتزين؟
وكأن الأرملة أو المطلقة عليها أن توأد نفسها وتعيش في كآبة دائمة.
إنني أعرف حكايات عديدة من هذا النوع تؤكد قسوة المجتمع على المرأة الأرملة أو المطلقة لكن ليس هذا مجال ذكرها الآن.
الأمر الآخر لاهتمامي بقصة عباس علام هو معرفتي بمحمد رأفت الذي أحبته سميرة هانم.
لم يذكر عباس علام شيئا عن شخصيته، فقد ركز على سميرة هانم، ثم الطبيب سعد بك الذي سرد وقائع القصة، ثم ابنها حسين، لكن رأفت هذا لم يقل كلمة واحدة طوال القصة.
ربما أن القصة حقيقية، ولم يعرف عباس علام معلومات كافية عن محمد رأفت هذا. كل ما يعرفه ما حدث لسميرة هانم من زواج وموت.
محمد رأفت الذي عرفته فقد أمه في صغره فلجأ إلى هذه الأم الصغيرة لتعوضه عن الحنان المفقود، ففاقد الأم في صغره، عادة، ما يحتمي بامرأة أخرى يقضي لديها جل وقته، فهو لن يسأل عنه، الأم ماتت، والأب، عادة، ما يكون مشغولا بعمله وبزوجة جديدة تعوضه عن زوجته التي ماتت.
عرف محمد رأفت، الذي أعرفه، سميرة هانم أخرى، كان صديقا لابنها الذي يصغره بعام وبضعة شهور، وهي التي رأته في بيته وهي تزورهم فطلبت منه أن يأتي إلى بيتها ليذاكر مع ابنها، هي التي اختارته ليكون صديقا لها.
كانت مثل سميرة هانم تزوجت صغيرة جدا، يأتي زوجها من عمله فيجدها تلعب مع الأطفال على سلالم البيت؛ فيضربها كطفلة، وتجري منه خائفة (هكذا حكت لمحمد رأفت الذي أعرفه).
كان محمد رأفت يريد أن تعطيه حنانا أكثر مما تعطيه لابنها، لدرجة أنه كان يضربه أمامها، مازحا، آملا أن تنحاز له أكثر مما تنحاز لابنها.
ويضيع مني عدد "الهلال" المنشور به القصة، ثم أعود ثانية إلى باعة الكتب القديمة في شارع النبي دانيال أبحث من جديد عنه، فتعلق اسم عباس علام بذهني، واكتشفت أنه كتب بعض أفلام محمد عبد الوهاب" "يحيا الحب" و"ممنوع الحب" و"لست ملاكا". نبذة عن حياة عباس علام * ولد عباس علام بمدينة بورسعيد في يناير/كانون الثاني 1892، وفي ذلك اليوم تولى الخديو عباس حلمي الحكم فسماه أهله عباس.
* عمل بمصلحة البريد، ثم حصل على البكالوريا وهو يعمل وانتقل إلى وزارة الداخلية بالقاهرة حيث عمل بها بقية حياته، وانتسب في كلية الحقوق في الجامعة الأهلية واستمر في دراسته إلى السنة الثالثة، لكن الكتابة للمسرح شغلته عن إتمام دراسته.
* تدرج في وظائف وزارة الداخلية من وظيفة كاتب آلي إلى مدير إدارة مجالس المديريات، ومضى طوال خدمته، تقريبا، في القاهرة، فيما عدا سنوات قليلة قضاها في مديرتي أسوان والغربية. عباس علام والمسرح كتب عباس علام تسع عشرة مسرحية على مدى خمسة وثلاثين عاما تقريبا من 1913 – 1947 بدأها بمسرحية "أسرار القصور"، التي مثلها الشيخ أحمد الشامي وفرقته عام 1915.
ويقول عباس علام في مقدمة خطية للمسرحية عام 1946 "أقول هذا للتاريخ وليعلم ولداي أن والدهما هو أول من مصّر المسرح، وكان المسرح قبله إما أجنبيا معربا، أو عربيا."
ومن أهم مسرحياته: "عبد الرحمن الداخل"، و"باسم القانون"، و"كوثر"، و"توتو" ومسرحية "ألا مود" التي سنتعرض لها باهتمام أكثر، فقد كتبها بالعامية عام 1919 أيام كان مبعدا وظيفيا في الصعيد وحققت نجاحا كبيرا.
المسرحية مهداة إلى الآنسة "ف. ط" التي رسمت له صورة كاريكاتورية ساخرة، ولما كان لا يجيد الرسم، فرد عليها بهذه المسرحية بعد أن رسمها (مسرحيا) في صورة كاريكاتورية يضحك منها الجميع.
و"ف. ط" الحقيقية كانت مثالا للجمال والرشاقة والأناقة وسلامة الذوق ورقة الشعور وسمو الأخلاق، مغرمة بالفنون جميعا؛ خاصة الرسم والتمثيل وكانت تسكن في منزل بشارع سامي بالقرب من ميدان لاظوغلي، كانت موضع تقدير جميع أهل الحي، خاصة شلة الأدباء الشبان التي تتردد على أخيها الأكبر وتمضي السهرة عنده في أغلب الأيام؛ إما في المندرة أو في الحديقة.
وكان من بين هؤلاء عباس علام، ومحمد تيمور، وعبد الحميد حمدي (صاحب مجلة "السفور") ومحمود عزمي (مترجم غادة الكاميليا) وحسن رسمي (مفتش الداخلية، وخريج جامعات انجلترا) وكان الكل يعجب بها ويحبها حبا جما أفلاطونيا من طرف واحد، إذ لا يجرؤ منهم أن يحبها غير هذا الحب ولا يأمل في أن تبادله الحب. ظهور فيكتوريا موسى في حياة عباس علام قامت فيكتوريا موسى، بدور سنية المعبرة عن شخصية "ف. ط" في المسرحية. فعندما رآها عباس علام على المسرح ذكرته بهذه الفتاة التي أحبها في صمت، والتي لم يستطع أن يعبر لها عن هذا الحب، فانتقل حبه لـ "ف. ط" إلى فيكتوريا موسى.
أحب عباس علام فيكتوريا موسى حبا اشتهر في الوسط المسرحي كما اشتهر حب قيس لليلى، كان يطلق عليها "الإلهة إيزيس" ويسمي نفسه "عبد إيزيس".
كانت الحركة المسرحية كلها والجمهور والنقاد يؤكدون أن فاطمة اليوسف هي أهم ممثلة مسرح في ذلك الوقت إلا عباس علام، فهو يراها أهم ممثلة في مصر، بل هي الفن نفسه.
فقد منحت لجنة توزيع المكافآت المسرحية الجائزة الأولى لفاطمة اليوسف، والجائزة الثانية لفيكتويا موسى، فكتب عباس علام "فإن كانت اللجنة قد ظلمت فيكتوريا هذا الظلم الشنيع وأجلستها في غير المكان الذي أعدته لها قدراتها وبراعتها وفنها فإني أروي قصة لا يعرفها غير القليلين، قصة تفهم منها وتفهم منها اللجنة، لماذا أنا متعصب لفيكتوريا موسى، ولماذا أعتبرها الفن في مصر، ولماذا أصبح عندي فيكتوريا الفن، بل ولماذا اعتبر كل ما عداها "بوش".
هذا حديث إنسان مجنون بحب إنسانة لا يرى غيرها، فهو يؤكد في قصته الطويلة أن فيكتوريا في تمثيلها أقوى من كل الممثلات في مصر وأقوى من كتاباته أيضا، فهي السبب في نجاح مسرحياته، ولولاها ما حدث هذا النجاح.
ويقول عباس علام في رسالة له لصديق "تعرف أني ضحيت بكل شيء في سبيل فيكتوريا الفن، ضحيت بصحتي, وضحيت بصداقة الكثير من الناس لي، وضحيت بجزء من قواي العقلية. أجل، فإن عقلي الآن ليس هو عقل عباس علام، وضحيت بكثير من اعتبار الناس لي، فقد أصبحوا يشفقون علي، والشفقة لا تكون إلا من القوي للضعيف."
كان عبد الله عكاشة يعرف مدى حب عباس لزوجته فيكتوريا، فاستغل هذا الحب لصالحه، فعباس كان كاتبا مهما في ذلك الوقت، وكان من الممكن أن يترك فرقة عكاشة، ويقدم أعماله الناجحة لفرق أكثر جودة وشهرة. لكن حبه لفيكتوريا شده لهذه الفرقة.
واستغل عبد الله عكاشة هذا الحب أحقر استغلال، فكان يدفع زوجته لكي تؤثر على عباس لكي يغير فصولا من المسرحية لصالح عبدالله عكاشة، فيطيل من حجم دوره في المسرحية.
أما دور فيكتوريا موسى، فعباس علام ليس في حاجة إلى واسطة، فهو يطيل في دورها ويعطيها كل اهتمام دون دافع أو وسيط.
كان يعرف عبدالله عكاشة أن عباس علام يحب زوجته ومجنونا بها، فلم يعترض، وإنما استفاد من هذا الحب؛ لدرجة أنه كان يجعله يحمل الأشياء التي يشتريها هو وزوجته من السوق، وينقلها لهما إلى البيت.
كان أحد أصدقاء عباس علام يتمثل دائما في علاقته بفيكتوريا وعبد الله زوجها بما قاله الشاعر "ولابد للصياد من عشرة الكلب."
ويجيب عباس على هذا قائلا "إنني ما كنت يوما صيادا، ففيكتوريا هي ابنتي، إذن عبد الله هو زوج ابنتي، ويجب أن أواري عيوبه وأخفي سيئاته إكراما لابنتي."
لكن للأسف، فإن فيكتوريا لم تكن سوى بوق ينفخ فيه عبدالله فيسمعك مختلف الأصوات، وآلة يحركها عبدالله فتعمل بمحض مشيئته، فهي لا إرادة لها مطلقا.
ويصف عباس عبد الله هذا بصفات بشعة جدا إلى أن يقول "بل لقد نظلم الثعبان إذا شبهناه به، فالثعبان لا يؤذي إلا من آذاه. أما عبد الله فلا يؤذى إلا من ينفعه، ولا يبغض إلا من يحسن إليه، وكلما أغدقت عليه عطاياك، وكلما حبوته بفضلك، وكلما زدته من خيرك؛ تكاثر بغضه لك وعظمت نقمته عليك." مَنْ فيكتوريا موسى؟ هي ممثلة يهودية الأصل كأغلب من سبقها من ممثلات لمعت أسماؤهن في عالم المسرح العربي مثل: ميليا ديان، وابريز استاني، ونظلة مزراحي، واستر شطاح، وغيرهن.
أسلمت فيكتوريا وتزوجت عبد الله عكاشة، مدير فرقة عكاشة، الذي رآها في حفلة مدرسية فأعجب بها كفتاة وكممثلة فأغراها، وكان عبد الله عكاشة وقتها يغني ويمثل أدوار الفتى الأول في فرقة عكاشة، وكانت هي وديعة منطوية على نفسها قليلة الاختلاط.
وتقول عنها فاطمة اليوسف في كتابها "ذكريات" عندما تعرضت للحديث عن فرقة عكاشة "وكانت بطلة الفرقة سيدة يهودية اعتنقت الإسلام وتزوجت الأستاذ عبد الله عكاشة مدير الفرقة واسمها فيكتوريا، وكانت جميلة تجيش بالعاطفة، لولا عيب كبير فيها، إذ كانت، لسبب متصل بحنجرتها، لا تستطيع أن تضحك بصوت عال أبدا، فإذا كان دورها يقتضى أن تضحك في المواقف؛ وقفت ممثلة أخرى وراء الستار وتضحك نيابة عنها في هذا الموقف."
يترك عباس فرقة عكاشة وفرقة فيكتوريا موسى التي أسستها مع زوجها بعد اختلافه مع أخويه، بعد أن ضاق بتصرفات زوجها عبد الله معه، فتضطر فيكتوريا إلى أن تعمل في فرقة رمسيس، ممثلة صغيرة بلا جمهور وبلا مسرح يحمل اسمها.
هذه هي قدرات فيكتوريا موسى في التمثيل، لكن عباس لحبه لها يراها أكثر من ذلك بكثير.
المهم أن فيكتوريا موسى لم تحتمل هذا، فقد أصابتها حالة جنون أو هستريا وهى تمثل، أو تؤدي "بروفة" الأدوار، فخرجت على الدور، وخرجت عن وعيها وأخذت تهذي، وخرجت من المسرح فلم تعد إليه بعد ذلك، وكان هذا هو آخر عهدها بالتمثيل. علاقة طلعت حرب بفرقة عكاشة ألف طلعت حرب في عشرينيات، وأوائل ثلاثينيات القرن العشرين شركة مساهمة عرفت باسم "شركة ترقية التمثيل العربي"، ثم أعاد بناء مسرح حديقة الأزبكية على الطراز العربي، وشكل فرقة تمثيلية كبرى وضع على رأسها أولاد عكاشة (عبد الله وزكي وعبد الحميد).
كلما قرأت عن هذه الفترة اندهشت، كيف يترك طلعت حرب الفرق الكبيرة المشهورة مثل مسرح رمسيس لصاحبه يوسف وهبي بما له من مكانة ومقدرة، وفرقة نجيب الريحاني، وفرقة فاطمة رشدي وزوجها المخرج الكبير عزيز عيد، وفرقة علي الكسار وغيرها، ويلجأ إلى ثلاثة يحذقون كل شيء إلا المسرح.
تحكى فاطمة اليوسف عن فرقة عكاشة بعد أن انضمت إليها "وجدت في الفرقة الجديدة جوا من الفوضى والارتجال لم آلفه أثناء وجودي مع أستاذي عزيز عيد، لم يكن هناك إخراج دقيق وبروفات مضنية ولا أي شيء من هذا القبيل، كان كل ممثل يحفظ دوره في بيته، ثم يصعد ليلة التمثيل إلى خشبة المسرح ليمثل كما يشاء.
وكانت الفرقة مازالت تتعثر في روايات سلامة حجازي القديمة، ويقدم معها شيئا اسمه الفصل المضحك، يخرج فيه على المسرح ممثل وممثلة يرتجلان التهريج والحركات المضحكة المبتذلة حسب الظروف، ولم يكن هذا كله من الفن في شيء."
الأمر الأهم أن أسرة عكاشة (زكى وعبد الله وعبد الحميد) كانوا يتمتعون بدرجة عالية من ثقل الدم، يؤكدها كل من كتبوا عن هذه الفترة.
فيحكي يوسف وهبي في كتابه "عشت ألف عام" عن فرقة عكاشة "ومن النوادر التي أسمعها في ذلك الوقت، أن الاقتصادي طلعت حرب باشا دعا لحضور المسرحيات الدرامية على مسرح الأزبكية الأديب الكاتب الساخر اللامع الشيخ عبدالعزيز البشري.
وكان زكي عكاشة بطل الفرقة يلعب دور رجل فقير معدم يرتدي ثيابا مهلهلة منحها له الكرماء، إلا أن زكي كان يضع في خنصره خاتما من الألماظ البرلنتي الضخم، ظل يزغلل به أعين الجمهور أثناء التمثيل.
ولما انتهت المسرحية واصطحب طلعت حرب الأديب البشري إلى الكواليس لتهنئة زكي عكاشة بادره الشيخ البشري بالسؤال:
ـ طيب يا أستاذ زكي مادمت لابس هلاهيل جبت الخاتم الألماظ ده منين؟
فأجاب زكي في بجاحة: وفيها إيه يا أخي اللي شحت منه الهدوم كان رجل كريم.
وحدث في مسرحية أخرى، أن وقف الممثل عبدالله عكاشة على المسرح في مسرحية محزنة وبيده زجاجة سم ناقع، والتفت إلى الجمهور وصاح:
ـ أنا حاشرب القزازة دي كلها علشان أموت على طول.
فصاح عبدالعزيز البشري ومن كان يجلس في مقصورة بالمسرح:
ـ لأ، خللي شوية لأخواتك زكى وعبد الحميد."
ما الذي يرمي رجل عظيم مثل طلعت حرب أسس بنك مصر وشركاته ومنها شركة مصر للتمثيل والسينما، وأسس استوديو مصر، أن يعتمد على هؤلاء الذين لا يجيدون التمثيل، ويتمتعون بثقل الدم؟
يدعي البعض أن طعلت حرب كان على علاقة بفيكتوريا موسى ومن أجل جمال عينيها أنفق على هذه الفرقة من دون باقي الفرق المهمة في ذلك الوقت، لكن هذا الادعاء لا يستند إلى قرائن تؤكده، فالفترة التي أنفق طلعت حرب على فرقة عكاشة كان المهيمن عليها زكى عكاشة وليس عبد الله عكاشة زوج فيكتوريا.
فكل من كتب عن هذه الفترة أكد بأن زكي عكاشة استغل إعجاب طلعت حرب به، وتعالى على أخويه، مما دفع عبدالله وزوجته أن يتركا له الفرقة ويؤسسا فرقة خاصة باسم فيكتوريا موسى، ولو كان اهتمام طلعت حرب بهذه الفرقة من أجل جمال فيكتوريا موسى لكان عبدالله، زوجها، هو المسيطر والمهيمن على الفرقة، ولكان استغل عبدالله هذا الحب، لنيل مكاسب كبيرة جدا من طلعت حرب كما فعل مع عباس علام. مصطفى نصر ـ الإسكندرية