عايدة نصرالله تصنع مهدا من ورق الشجر والحجر

أسمّيك امرأة السماء

عمَّان ـ في إحدى قصص مجموعتها بعنوان "مهد من ورق الشجر" الصادرة عن "الآن ناشرون وموزوعو" نقرأ:

".. رأيت نفسي فيه واقفة على صخرة عالية،

فجأة نظرت حولي وقد امتلأت جوانب الصخرة بالثقوب،

من كلّ ثقب أطلّ رأس أفعى مع عيون تحملق بي.

نظرت للأسفل، لم يكن لي مخرج، فأنا على قمّة الصخرة،

ولو عضتني واحدة ستكون الأخريات متربّصات بي، ليأكلن لحمي ميْتةً،

تذكّرت وأنا أسكن الكابوس أنّ الأفاعي لا تحبّ الميّتين، تحبّ اليقظين دومًا.

وبعد جفاف الريق، رأيت يدًا تحملني من شَعري وترفعني إلى أعلى، فصحوت،

ولم أدرك لمن كانت تلك اليد التي أنقذتني.."

وفي المجموعة خمس وعشرون قصة قصيرة، من القصص الواقعية التي يهاجمها الخيال، لدرجة تشعر معها أن الخيال هو الواقع الذي نعيش. ولدى قراءتها أنت تعيش ملاعب الطفولة وشقاوة العيال، ومشاعر المراهقات.

تقول الدكتورة عايدة نصرالله: كان أبي يأخذني معه إلى المقهى فيلعب مع أصحابه الشدة وطاولة الزهر، يريدني أن أتفرج على صراعاتهم اللعبية، وشتائمهم المخلوطة بالشوارعية والبذاءات أحياناً.

في هذه المجموعة أنت تقرأ تشظيات امرأة عبقرية مجنونة. ومن هذه القصص نقرأ قصة بعنوان "حجر":

"كانت يدي صغيرة عندما التقطت ذاك الحجر الصغير من الطريق.. لم تدرك يدي الصغيرة آنذاك لماذا اختارته. لونه بنّي سكنته الشمس حيث انصهر بلون شفقها، وركنَ عميقًا في الأرض فامتصّ لون تراب معتّق. دحرجته السنون... احتكّت به الحكايات حتّى املسَّ وجهه... كانت يدي صغيرة.. كبرت اليد، تعمّقت الأحزان في داخلي، نتف حكايات تناثرت، وذراها الريح في مسيرة الجراح، والحجر ينظر إليّ مستكينًا في حجري.

- كنت أضعه على رحمي.

- إنّه حجر وسخ. قال لي.

شيء ما تفتّت في الحنجرة، فأُخرستُ عن الكلام.

كانت يدي صغيرة جدّا. كانت عيناي تشدّان اللهب في اللهب، وتؤرّخ الجمرات نسيمًا عندما التقطته... كبرت يدي. أنظر إلى وجهه وأرى جيوشًا غابرة عبرت من تلك الصحراء وأرى القوافل، والتاريخ يمرّ على رموش الحجر وهو يمدّ بلسانه إليّ.

- أعرف أكثر ممّا تعرفين، أكثر ممّا يعرفون، أكثر ممّا تعرف الرمال والبحار.

أمّا أنا فنسيت تاريخه في حضني. وهو... الحجر يذكر كلّ شيء عنّي، عنهم. يخبّئ كلّ الأسرار، يتنقّل من دمعة لدمعة، من بسمة لبسمة، ويقصّ الحكايات لنفسه بصمت.

لم يشكُّ مرّة من جنوني، وله نعفتُ شكواي من هروب حبيبي منّي، وبه صرخت. كان يستطيع أن يمتصّ غضبي، أنّاتي، حروفي المتراقصة والعاجزة عن الخروج.

يعرف كلّ شيء عن جدراني المهترئة، عن خزانتي التي تئنّ من قدمها، وملابسي التي عافتني، عن صراخ القطط الليليّ وعن سكّان العمارة المجاورة. يتلصّص في الليل على شخير الأحلام وزعيق العرق المعبّأ في جفون عمّال هذه البلدة المرتفعة كارتفاع حاجب أبى أن يستقيل من ارتفاعه. تلك المدينة الناهضة من الأزقّة، لا أحد يعرف صهيلها مثل هذا الحجر.

حجر... مجرّد حجر. أُسرّ له بوجع خواء ليلي، اعتصامي عن الحبّ سِنينًا، وشهقاتي الليلة وحدي مع الذكريات... هو وحده الذي سكن منجرف الجبال في صحراء بعيدة جدّا... جدّا عن هنا... نزع عيونه من الأرض ليختلي بي وليرافقني مسافة جروح العمر، ليرافقني على أوتار عود سُلب النغم منه، مع سلب الروح والحبيبة... حجر. حجر. مجرّد حجر. كانت يدي صغيرة عندما التقطته. أصغر من حفنة دمع. وكانت أوردة يدي كشعيرات غمسها الماء لا تقوى على الانتصاب. لكنّ عينيّ كانتا شبّاكيْ نور ونار... حجر أملس كالماس، نقيّ كلونه، لكنّه يعرف الأسرار. أركنته إلى جبيني، وكان يسحب النهار معه حتّى آخر الليل ونحن نتبادل الحكايات.

- حجر وسخ.

- ضعه حبيبي في حضنك عندما يكفّ الفرح عنك، علّك تهدأ وتنام.

هو تهليلة الأمّ وقت الضياع، زغرودة الفرح عندما تكفّ البساتين عن الثمر، وتكفّ المياه عن الانسراب في الروح. هو ترنيمة الغد عندما يستعصي علينا الغد، هو القصيدة.

- حجر وسخ. قال.

حجر سحب ريق الشمس من شعيراتها الذهبيّة إلى حضني. مزّع غربتي وأسمعني طبول الصحراء، وذلك الخيط الرفيع للموسيقى الذي ينشد خيط اللهب في ليلة قمريّة.

- أسمّيك امرأة السماء.

- وأنت قمر السماء.

آخ لذلك الحجر! هو ملك الحبّ كلّه، هو من يراه، هو من ينام في فراشه، هو من يراقب عينيه، وهو من يسمع جنون خبط الحروف على ورقه، وهو من يرى وميض العشق في عينيه، وهو الشاهد على خياناته أيضًا... لكنّه ذلك الحجر الملعون، سيبوح بكلّ شيء عنّي.

- لم أعرف ماذا أهديك. إليك هذا الحجر.

- حجر وسخ! قال. يدي صغيرة. وهو حجر. مجرّد حجر.

حجر ولو سافر، أو أجبر على الرحيل إلى مكان ما، وانتفى من جفونك، سيأخذ بتلابيب النجاة، شادًّا أزره غير مفرّط بكبريائه... لأنّه هو فقط من يعلم الحقيقة."

* سيرة عطرة

يذكر أن للدكتورة عايدة نصر الله سيرة عطرة، فهي من مواليد أم الفحم -1956- فلسطين. حصلت على بكالوريوس في تاريخ الفن واللغة العربية- جامعة حيفا 1998. وشهادة اختصاص في أساليب تدريس الفن التشكيلي 1999.

2004 حازت على شهادة الماجستير بتفوق من جامعة تل أبيب في الفنون التشكيلية حول "فنانات من وادي عارة: مسارهن الفني كانعكاس لنظرتهن الذاتية والاجتماعية".

نالت إجازة الدكتوراة مع مرتبة الشرف من جامعة تل أبيب حول "تجليات الجسد في الفن الآدائي والفن التشكيلي لدى الفنانات الفلسطينيات المعاصرات من سنة 1998- 2010".

* 1991-93- عملت كصحفية في صحيفة الاتحاد – حيفا.

* 1998-2004- مدرسة للفنون الجميلة في مدرسة ابتدائية ومن ثم في مدرسة ثانوية وفي كلية عرعرة للفنون.

* 2006 حتى اليوم تدرس الفنون التشكيلية والمسرح ضمن مساق تأهيل المعلمين العرب في معهد التربية والتعليم العربي في كلية بيت بيرل في كفار سابا، وتدرس موضوع "الفن الآدائي ومسرح الشارع في العالم العربي لطلاب الماجستير في جامعة تل أبيب – يافا.

* تكتب المسرح والقصة القصيرة الشعر. وترجمت بعض مسرحياتها وبعض أشعارها للإنكليزية والعبرية، والإسبانية والعبرية.

* نشرت كتاباتها في صحيفة الاتحاد، مجلة الجديد، مجلة اتحاد الكتاب العرب "48". ومجلة الغد. ولها عديد من المقالات والترجمات في النقد الفني والمسرحي.

نشرت لها مجموعتان قصصيتان هما "حفنات" ومجموعة قصص "أنين المقاهي"، كما نشرت لها رواية "عزيزي من وراء البحار" مترجمة للألمانية والتي صدرت عن دار نشر رومان كوفار في ميونخ. لها كثير من القصص والمسرحيات نشرت في مجلات أدبية محلية مثل "الجديد" وبالإنكليزية نشرت في المجلة الصادرة عن جامعة أيوا في الولايات المتحدة. عدا ما نشر في الصحف والمجلات العربية والمحلية وكذلك في المواقع الإلكترونية.

1999 حصلت على جائزة التفوق من جامعة تل أبيب - قسم الدراسات النسائية وتلقت منحة التفوق من الجامعة على مدار سنوات تعليمها للقب الماستر والدكتوراه.

2001 حصلت على منحة لمدة ثلاثة أشهر للمشاركة في برنامج الكتاب العالميين في جامعة أيوا – الأميركية.

شاركت في مؤتمرات عالمية حول الأدب والفن، فمثلت شعبها في عدة مؤتمرات في الولايات المتحدة، ألمانيا، هولندا، ليفربول، وأقامت معارض فنية محليا وعالميا وكان آخر المعارض في ألمانيا.