عام ثالث من المؤتمرات والترتيبات ووعود'الأصدقاء': تآلف المعارضة السورية... مكانك سِر!

هل أنهت قوى المعارضة السورية حالات التناحر والإستئثار الفئوي بين صفوفها وأنجزت وحدتها، ولم يعد يُقلقها غير هاجس الخوف من الفوضى والانقسامات عند انتصار الثورة، حتى فاجأتنا بإعلان مبادرة جديدة من اسطنبول، قضت بتشكيل مجلس السلم الأهلي الذي يضم كل الأطياف السياسية بهدف تلافي المحذور؟

مثل هذه المفاجآت لم تعد غريبة علينا، فقد سبق أن فوجئنا بمثلها انطلاقا من الدوحة حين جرى استبدال صيغة المجلس الوطني بصيغة التآلف الوطني بين ليلة وضحاها، وما تلا ذلك من ترتيبات وتغييرات على الصعيد القيادي. ولكن السؤال: ألم يكفنا تعدد هذه الصيغ والتسميات والمؤتمرات، حتى نرى أنفسنا بحاجة إلى صيغة جديدة، علما بأن مجالس السلم المحلية موجودة أصلا في مناطق عديدة. فما هي الحكاية، وماذا وراء هذا التشكيل الجديد؟

بمعنى آخر، هل استكملت قوى المعارضة مستلزمات سلطتها الديمقراطية التعددية غير الإستئثارية من قبل جماعة بعينها أو كتلة دون غيرها، وأصبحت على أبواب قيام نظامها الوطني ـ بإذن الله ـ أم أن ما نشهده في مصر من استماتة جماعة الإخوان المسلمين على الإستحواذ بكل مقدرات السلطة، وما خلّفه ذلك من عواقب سلبية مؤسفة على الصعيد الشعبي، هو الذي فرض على إخوان سوريا وهُم القوة المهيمنة على التآلف الوطني أخذ العبرة وعدم الوقوع في نفس المطب، رغم محاولاتهم تحاشي هذا المصير بأساليب ذكية وحتى خبيثة يمكن رصدها من خلال مواقفهم طوال العامين الماضيين؟

إن من يتابع مسيرة جماعة الإخوان منذ بداية التحاقها بأطر المعارضة السورية التي تشكلت بعد قيام الثورة، سوف يستوقفه تقلّب مواقفها منذ أن عُرض عليها المشاركة في إطار تآلفي يوحّد الصف المعارض، وكيف وافقت على ذلك ثم عادت وتراجعت في توقيت غريب وظرف أغرب. وسوف يكتشف أن مثل هذه الحالة من التراجع والتقلب قد تكرّرت وتعدّدت صورها في معرض سعي الإخوان لترتيب أوضاعهم باتجاه الاستحواذ على القرار المعارض، من وراء واجهة لهم تضم العديد من القوى والشخصيات المعارضة الأخرى.

معلوم أن بداية هذا التحرك قد تمثلت في الدعوة التي وجهتها قطر إلى مجموعة من القوى والشخصيات السورية لحضور اجتماع تشاوري في الخامس من أيلول 2011 بغية تدارس أوضاعهم واتخاذ ما يلزم لتوحيد صفوفهم. ومع أن جماعة الإخوان المسلمين كانت ممثلة في هذا الاجتماع بمندوبين من قبلها، وقد وافقوا باسمها على المشاركة في الإطار الإئتلافي المقترح، ثم قاموا بعد الرجوع لهيئتهم القيادية بالتأكيد على هذه الموافقة قبل الموعد المحدد للإعلان الرسمي عنه وهو 16 أيلول، إلا أنهم فاجأوا الجميع عشية الإعلان في استانبول عن تأسيس المجلس الوطني السوري الذي صادف توقيته في نفس اليوم المقرر لإعلان تشكيل التآلف (أي 16 أيلول) بالعودة عن موقفهم من هذا الأخير، وعدم قبولهم بالصيغة التي وافقوا عليها في قطر، وأنهم بصدد تقديم تصورهم في مبادرة خاصة بهم.

كان هذا قبل عام ونصف. ومن يومها لليوم تكررت مثل هذه المواقف والتقلبات الملفتة للإنتباه، واستطاع الإخوان في ضوء الدعم الذي يتلقونه من جهات عديدة في مقدمتها تركيا وقطر، تكوين صيغة واجهية لهم تضم قوى من المفترض أن كثيرين منها لا تتطابق مع منطلقاتهم، الأمر الذي فتح أمامهم أبواب السيطرة على المجلس الوطني ثم التآلف. وهكذا أخَذَ أسلوبهم في التعامل مع يوميات الثورة السورية ومختلف قواها سِمة تختلف عما انتهجته جماعة الإخوان في مصر التي ركزت على استقطاب السلفيين دون القوى الأخرى من قوميين ويساريين وعلمانيين..الخ، فارتأوا ضرورة سلوك نهج آخر يُبعدهم عن الوقوع فيما وقع به إخوانهم من عثرات، كما يقرّبهم من حلم الوصول إلى سدة السلطة الذي طالما داعبهم في العديد من ساحات تواجدهم، فكان خيارهم المرحلي تبنّي نهج التريّث واعتماد النّفَس الطويل على طريق الحسم مع النظام، حتى يتسنى لهم تجهيز أنفسهم لاستحقاق مرحلة ما بعد سقوطه، وتثبيت أقدامهم كتنظيم سياسي قائد عبر اعتلاء صهوة ما أمكنهم من أطياف المعارضة الأخرى للظهور بمظهر الحركة غير الفئوية ولا الاستفرادية، والحؤول دون أن تفوتهم هذه الفرصة التاريخية المتاحة لتثبيت أقدامهم كتنظيم سياسي قائد.

في ظل هذا النهج الذي يستنسخ ـ بشكل أو آخر ـ أسلوب النظام نفسه في الإستفراد بالسلطة منذ حوالي خمسة عقود، تواصلت عملية التجهيز بينما بقي وضع الثورة ككل يراوح مكانه حيث لا انتصار ولا هزيمة، ويتأرجح سلبا حتى اليوم بين خانة عدم التدخل الخارجي، وخانة عدم تقديم الدعم النوعي لمقاتليها ولا رفع الحجز عن تزويدهم بالسلاح، في مقابل عدم السماح بانتصار النظام في الوقت نفسه.

ولكن السؤال الطبيعي هنا: إذا كان إخوان مصر قد عملوا على استغلال ثقل التيار السلفي في بلدهم وركبوا موجته دون الاهتمام بما عداه من القوى المختلفة الأخرى، وكانت النتيجة وقوعهم في هذا المطبّ الذي نرى صوره الكارثية كل يوم. فما الذي سيمنع إخوان سوريا من الوقوع في مطب آخر، خصوصا عندما تصل لقمة استلام السلطة قريبا من أفواههم فيسارعوا إلى الاستفراد بالتهامها، متناسين كل ما ابتدعوه جديدا من مواقف مناقضة لأطروحاتهم. وإلا فكيف يمكن تفسير انقلاب هذه الجماعة على ذاتها والمناداة في مشروعها المسمى "العهد والوفاق" بمدنية الدولة والديمقراطية والحوار وتداول السلطة، وعدم إقصاء أحد أو استئثار الأكثرية، بل المشاركة على أرضية المساواة بين المواطنين (يعني من قوميين وماركسيين و..و..الخ )؟

إن طرح الإخوان مؤخرا لهذه الشعارات التي ترددها دول الغرب "الكافرة" نزولا عند متطلبات سدة السلطة المرتقبة، لا يمكن أن يُقنع أحدا بتخليهم الفعلي عن مواقفهم التاريخية المناقضة لما أعلنوا تبنّيه مؤخرا، ولا يدللّ على تغيير حقيقي في توجهاتهم من أجل الإنسجام مع الواجهة التي اختاروها سُلّما لهم، بل يدل على إمعانهم في التكتيك وحجم استعدادهم لانتهاز الفرص بشتى الأساليب، ليس في سوريا وحدها بل في مجمل الساحات التي يتواجدون على أرضها، ولاسيما تلك التي شهدت "الربيع العربي" وكان للإخوان يد في قطف ثمارها، كما حصل في مصر وما شابهه في تونس مع حركة النهضة التي يتزعمها راشد الغنوشي.

يبقى القول: إذا كان الهدف من وراء تشكيل مجلس السلم الأهلي حماية الثورة من مخاطر الإنقسامات وآثارها السلبية، كما جاء في نص الإعلان عنه. فالمفترض أن الذين سيعملون على خلقها هم من خارج الصف الوطني وقوى التآلف. أي من بقايا النظام وشبّيحته وأزلام الملالي وحزب الله، وباقي جبهة الأعداء الممتدة من شرق الكرة الأرضية إلى غربها. فهل يمكن أن يحمل تشكيل بحجم مجلس سلم أهلي ثقل التصدي لكل هؤلاء.أم أن هذا التشكيل ليس أكثر من صيغة فرضتها ضرورة الاستفادة من تجربة إخوان مصر وأخذ العبر مما آلت إليه، تماما مثلما جاء اختيار رئيس المجلس الوطني جورج صبره رئيسا للإئتلاف المسيطَر عليه إخوانيا على غرار اختيار حركة النهضة منصف المرزوقي رئيسا لتونس؟

وهكذا نكون قد دخلنا العام الثالث من الثورة مع تواصل تدفق شلال الدم، وسط أجواء التغيير والتكتيك ووعود "الأصدقاء".. وما زلنا نراوح مكاننا!