عام أسود للثقافة: فنانو تونس يقرعون ناقوس خطر سلفي

تونس - من طارق عمارة
'متخوف من السيناريو الجزائري'

امام المركز الثقافي بمدينة بمنزل بورقيبة شمالي العاصمة تونس فرش مئات الإسلاميين المتشددين السجاد واقاموا صلاة في نفس المكان الذي كان من المفترض ان يقدم فيه الممثل لطفي العبدلي عرضا مسرحيا ليمنعوا بذلك العرض احتجاجا على مضمون المسرحية الذي قالوا ان فيه اساءة للإسلام.

وفوجئ العبدلي الذي يقدم مسرحية "مايد اين تونزيانا مئة بالمئة حلال" وهي مسرحية ساخرة ينتقد فيها الخلط بين السياسة والدين بملاحقة اسلاميين متشددين له في كافة عروضه بهدف منعها. وبالفعل نجحوا في منع عدة عروض قبل أن يستعين بمجموعة من الحراس لحماية عرضه في الحمامات.

ومنذ الثورة التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي تعاظم دور الإسلاميين في تونس بعدما عانوا طيلة السنوات الماضية القمع والسجن.

وتقود حركة النهضة الإسلامية الحكومة بعد فوزها في انتخابات 2011.

ويثير تزايد دور الإسلاميين مخاوف الطبقة العلمانية في تونس، أبرز الدول العلمانية في المنطقة، من أن يستغل المتشددون وصول حركة إسلامية للحكم لتمرير أفكارهم بالقوة.

وعرف لطفي العبدلي، وهو من اشهر الممثلين في تونس، بمواقفه الناقدة لنظام بن علي حتى قبل الثورة.

وقال لطفي العبدلي "انا لا أخشى التهديدات او الاعتداء ولكني أخشى بقوة من ان تسلب منا حرية التعبير والإبداع - وهي المكسب الحقيقي الذي منحته الثورة للتونسيين- جراء عدم قيام الدولة بواجبها في توفير الحماية للمبدعين".

وأكد ان عدم اتخاذ الخطوات اللازمة لمحاسبة السلفيين يعتبر "تواطؤا" معهم.

وأضاف "وصلتني تهديدات على صفحتي الخاصة على الفيسبوك.. انا متخوف من السيناريو الجزائري حين اهدرت دماء المثقفين الذي ثاروا على القمع".

ويستطرد "انا مستاء من الوضع الذي وصل اليه حال المثقف في تونس.. اشعر أني محاصر من جميع النواحي لكني لن أصمت واقول للحكومة جهزوا لي زنزانة فأنا سأتفرغ لنقدكم في أعمالي".

وامتنعت قوات الأمن عن تأمين الحماية لعروض العبدلي بعد ان انتقدها بشكل ساخر في مسرحيته، وهو ما رأت وزارة الداخلية أنه أثر على معنويات رجل الأمن.

وبعد ان اطاحت الثورة بالنظام السابق اصبحت حرية التعبير ابرز مكسب للتونسيين في ظل استمرار الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد. لكن كثيرين يقولون ان هذه الحرية اصبحت في خطر مع غياب الردع الحكومي لتجاوزات المتشددين الإسلاميين.

وفي الاسبوع الماضي، قتل اربعة اشخاص واصيب العشرات اثناء هجوم على السفارة الأميركية بتونس احتجاجا على فيلم يسيء للرسول محمد انتج في الولايات المتحدة.

وفي الاسابيع الاخيرة منع متشدون عدة عروض موسيقية ومسرحية قائلين انها تسيء للمقدسات الاسلامية. واعتدى متشددون ايضا على فنانين.

وقال وزير الثقافة مهدي مبروك انه تم منع 12 عرضا فنيا هذا الموسم لأسباب امنية وبسبب تهديدات مجموعات سلفية.

وأدانت وزارة الثقافة اعتداءات السلفيين على الفنانين ودعت السلطات الأمنية الى حماية المبدعين ومحاسبة المعتدين عليهم.

وقال وزير الثقافة انه أصبح يخشى سيطرة السلفيين على المشهد الثقافي، وان وزارته رفعت ست قضايا على جماعات سلفية بتهمة منع إقامة عروض وإنها ستقف في صف المبدعين بغض النظر عن توجهاتهم.

لكن الفنانين يرون ان دعم وزارة الثقافة لهم غير كاف، ويتعين ردع كل من يعتدي على مبدع او يمنع عرض بأي حجة.

وطالب اتحاد الكتاب التونسيين في بيان بأن يتضمن الدستور الجديد نصا عن حرية المبدع وحمايته من اي تهديد قد يتعرض له.

وخلال آب/ أغسطس، اعتدت مجموعة على الشاعر الصغير اولاد احمد بسبب قصيدة يسخر فيها من بعض المتشددين. واثار الاعتداء مخاوف من انتشار رقعة العنف لدى السلفيين لتمرير أفكارهم.

وشبه الشاعر الموسم الثقافي الحالي بأنه "عام اسود للثقافة". وقال "حرية الإبداع في مرحلة حرجة في ظل حكم النهضة.. انا اعتبر ان النهضة متواطئة واعتقد ان السلفيين والنهضة يتقاسمون الأدوار".

وقال الصغير اولاد احمد انه يخشى تكرار السيناريو الذي عاشته الجزائر في التسعينات بقتل وضرب المثقفين.

وأضاف "نحن لا نريد ان يحصل لنا ما حصل في الجزائر لكن للاسف كل المؤشرات تقول اننا نسير في هذا الطريق... نعيش مرحلة خطيرة واذا لم يتوقف النزيف فان البلاد قد تشهد مرحلة تسيل فيها الدماء". لكن زعيم حركة النهضة الاسلامية راشد الغنوشي، قال ان يرفض اي مظهر للعنف.

وأضاف "منع حفل او كتاب هذا امر مرفوض لكن لا يجب تجريم جماعة بأكملها.. ونحن نتوقع ان تسود ثقافة دينية معتدلة في تونس بعد استقرار الأوضاع فيها في المرحلة المقبلة".

وتعهدت النهضة منذ وصولها للسلطة بدعم الثقافة والإبداع وعدم تقييد الحريات، لكن معارضيها يقولون ان خطابها مزدوج.

كما منع سلفيون ايضا اقامة عرض لمجموعة ايرانية في القيروان في شهر رمضان، معتبرين انهم لا يسمحون لجماعة شيعية بتمرير افكارها في بلد غالبيته سنية.

وفي بلدة سجنان بشمال البلاد، ألغى المنظمون كل انشطة المهرجان الصيفي بعد تهديدات مجموعات سلفية بمنعه، بحجة ان رمضان شهر عبادة فقط.

ويسعى السلفيون الى تطبيق الشريعة واقامة دولة اسلامية ويرفضون الديمقراطية معتبرين انها كفر.

وترفض جماعة انصار الشريعة السلفية التي يقودها ابو عياض وهو تنظيم قريب من تنظيم القاعدة التصريح للإعلام.

لكن رضا بلحاج وهو رئيس حزب التحرير ذي المرجعية السلفية، يرى أن بعض المثقفين يسعون للاستفزاز بهدف تسليط الأضواء عليهم. وقال "هناك بعض ممن ليست لهم شعبية يسعون لأن يكونوا في مظهر الضحية".

وأضاف "نحن ضد العنف.. يتعين ترك هؤلاء المثقفين يعملون وعدم منعهم لأن رداءة أعمالهم ستفضحهم".

وفي شهر يونيو/حزيران شهدت البلاد مظاهرات عنيفة خلفت قتيلا وعشرات الجرحى احتجاجا على معرض، قال اسلاميون انه عرض رسوما تسيء للمقدسات الإسلامية.

وعلى خلفية هذا المعرض استدعى القضاء الرسامة نادية الجلاصي، في إحدى المرات القلائل التي تحاكم فيها فنانة في تونس في العقود الأخيرة.

وتمثل الجلاصي امام القضاء بتهمة عرض رسوم من شأنها ان تعكر صفو الأمن العام، وقد تواجه عقوبة تصل إلى السجن لخمس سنوات.

وقالت نادية الجلاصي "انا مصدومة من اسئلة القاضي الذي سألني عن نيتي الحقيقية من رسم هذه اللوحات.. انها اول مرة يقف فيها فنان في تونس امام قاض ليسأله عن نواياه".

وحذرت من "خطورة انعاكسات التشدد الديني على حرية الإبداع والتعبير وفرض نمط عيش متشدد على كل التونسيين".

وتسعى حركة النهضة لتمرير قانون ضمن الدستور الجديد يحرم المس بالمقدسات الدينية حتى ضمن الأعمال الفنية وهو ما يراه العلمانيون تهديدا للحرية الناشئة بعد الثورة.

وانتقدت منظمة هيومن رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان مشروع القانون، واعتبرته مساسا بحرية التعبير الناشئة في تونس.

وبعد أن أثار الفيلم المسيء للإسلام اخيرا، احتجاجات واسعة في أرجاء الشرق الأوسط، أكد نواب من النهضة تمسكهم بقانون دولي ومحلي يجرم الإساءة للمقدسات الدينية.