عامل النظافة الذي أصبح كاتبا للأغنية السكندرية

بقلم: جابر بسيوني
أنا على شوق مستني ميعادك

لإذاعة الإسكندرية منذ افتتاحها في عام 1954 برئاسة الإذاعي الكبير الراحل حافظ عبدالوهاب (الذي منح اسمه الأول لعبدالحليم شبانة، فأصبح عبدالحليم حافظ)،سمات تتفرد بها عن سائر الإذاعات المصرية أهمها تميّز الأغنية المذاعة بالخصائص السكندرية من حيث الكلمة واللحن، فإذا ما صادف مؤشر الراديو إحدى هذه الأغنيات أدرك المُستمع أنها إذاعة الإسكندرية.
ومن كتاب الإسكندرية المشاهير الذين ذاع صيتهم كرواد في كتابة الأغنية: أحمد علي السمرة، ومحمد علي أحمد (الذي غنى له عبدالحليم حافظ عددا من الأغنيات)، ورشدي عبدالرحمن، وأمين قاعود، ومحمد مكيوي، وكامل حسني، وعلي حسن حمودة، وأحمد ملوخية، ومحمود الكمشوشي، والتركي محمد وغيرهم.
ومن مشاهير الملحنين – أيضا – في الإسكندرية: محمد عفيفي، ومحمد غنيم، وحسين جنيد، وفتحي جنيد، وإبراهيم عبدالشفيع، ومحمد الحماقي، ومحمد أبو سمارة، وصبحي شفيق، ومحمد الروبي، وفارق العطار، ومحمد مراد، وعبدالحميد يونس، وسعيد عيسى، ومحمد المصري، وحمدي رؤوف، ومنير الوسيمي، وجويدة الطلخاوي، وغير هؤلاء كثيرون.
ومن كُتاب الأغنية الذين اتبعوا أثر السابقين وتواصلوا معهم بالاقتداء لهم والسير على منوالهم؛ جابر علي عبدالعال، وشهرته جابر المراغي، نسبة إلى المراغة إحدى مركز محافظة سوهاج.
واشتهر المراغي بالأغنية البسيطة المفردات والألفاظ المستلهمة من البيئة السكندرية بشعبيتها وتلقائيتها، ويؤكد ذلك كلماته في أغنية "مرات الأب" وقد أذيعت في برنامج الأدباتي اسكندراني ويقول في مطلعها: الأهل هما إللي جابوكي ** وافقوا عليكي وخطبوكي
ودفعوا مهرك لابوكي ** علشان تعيشي في عش أمين
وأغنية "أنا على شوق" غناء منى محمد وتلحين سعيد عيسى ويقول في مطلعها: أنا على شوق مستني ميعادك ** حفضل أعده ثانية بثانية
كل دقيقة تفوت في بعادك ** ليه تحسبها عليه الدنيا
ومن أغنياته الشهيرة "يا طير يا رمادي" لحن وغناء المطرب الشهير إبراهيم عبدالشفيع ومنها: أمانة عليك يا طير يا رمادي ** أفرد جناحك وديني بلادي
بلاد السلام
وديني بلادي الغالية إللي ما شافتها عيوني
فيها أهلي وفيها حبايبي مش ممكن يا طير ينسوني
ويا ريتني يا طير بجناح ** لاطير في الهوا سواح
ولد جابر المراغي في نجع "باهوق" بمركز المراغة بمحافظة سوهاج في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1931 في أسرة بسيطة العيش فقيرة الحال انتقلت إلى الإسكندرية بحثاً عن الرزق الميسور، غير أن ضيق سعة اليد وعدم قدرة والده المالية؛ اضطرته إلى العمل في سن صغيرة بغية مساعدة الأسرة على أعباء الحياة، وترتب على ذلك عدم إلحاقه بالمدارس كباقي أقرانه، وظهرت عليه بوادر كتابة الزجل في سن مبكرة؛ دفعته إلى الذهاب إلى فصول "محو الأمية" التي تخرج فيها، وتمكن من كتابة كلماته بنفسه.
واصل جابر المراغي طموحه نحو خوض انتخابات الاتحاد الاشتراكي، وحالفه التوفيق فصار عضواً منتخباً في الاتحاد الاشتراكي في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، برغم كونه عامل نظافة بسيط، ثم طرق باب إذاعة الإسكندرية، فقدمه الإذاعي الرائد جمال توكل في برنامج "مواهب" ثم اعتمد كاتباً للأغنية، وتعددت إبداعاته وكتاباته الغنائية والزجلية لإذاعة الإسكندرية ومنها: كلماته لبرنامج "الراوي والربابة " غناء ولحن متولي سليمان، "المسحراتي" غناء أحمد الحبروت، "الأدباتي" غناء أحمد أبو العينين ومبروك عبدالعزيز وبعض حلقات من برنامج "المجلة الثقافية" إعداد وتقديم الرائد الراحل نبيل عاطف. وبرنامج "أهل الريف"، وبرنامج "لست البيت".
من أغنياته لإذاعة الإسكندرية – أيضا – أغنية: "عاشق جمالك يا سمرة"، "أيام الغرام" لحن محمد المهدي، و"عشقت الدنيا علشانك"، و"ألفين مبروك" لحن محمد الرشيدي، و"الجيهة الحلوة وشبانها" لحن صبحي السوري، وموال "سحر العيون" لحن وغناء إبراهيم عبدالشفيع، وأغنية "مبروك" لحن محمد غنيم، وأغنية "رمضان" لحن حمدي رؤوف، و"عش الغرام" غناء نادر ولحن محمد غنيم.
وقد حرص جابر المراغي على الاشتراك في عضوية الجمعيات الأدبية، ومنها "جماعة الأدب العربي" التي شهدت إبداعه الزجلي من خلال لقاءاتها الأدبية لمبدعي فن الزجل.
ومن أزجاله الجميلة زجل بعنوان "أظن أني اتنسيت" كتبه بعد مرض ألمَّ به، وأقعده عن الذهاب إلى ندوات الزجل فترة طويلة، فلما عاد لم يجد اسمه ضمن الأسماء المكتوبة في الدعوات المطبوعة، فكانت كلماته: أظن أني أتنسيت لما المرض جاني ** وبقيت طريح الفراش فين هم خلاني
ولا حد فيهم سأل وصبحت وحداني ** يا دنيا فيـكي العـجب منك آهـين ياني
الغش فيكي اتوجـد والطبع برّانـي ** وإللي بيعمل حبيب وتمللي يلقاني
المحنة خلت جنابه في الحال بينساني ** أصل الشدايد كده بتظهر المخاليق واحمد إلاه السما بفضله نجاني
رحل جابر المراغي في الثاني من فبراير/تشرين الثاني 1993 إلى جوار ربه بعد رحلة عطاء أدبي أعطت المثل الطيب للإنسان العصامي المثابر المكافح. واختتم حياته إماماً لمسجد صغير بناه تقرباً لله تعالى بالقرب من منزله وأسماه "مسجد الصابرين". جابر بسيوني ـ الإسكندرية