عامل التظاهر يغرق الكويتيين في الديون

معضلة الرغبة في التفاخر والتباهي

الكويت - مع ضعف ثقافة الادخار في المجتمع الكويتي وتنامي ثقافة الاستهلاك بصورة أكبر، انتشرت ظاهرة اقتناء السلع الكمالية غير الضرورية في المجتمع الكويتي في الفترة الاخيرة على حساب أولويات شرائية أخرى لتغرق الكثير من الكويتيين في ديون تقدر بعشرات مليارات الدولارات.

ويأتي انتشار هذه الظاهرة وسط ارتفاع مستوى تكاليف المعيشة وغلاء في الاسعار تعانيه شرائح مختلفة في المجتمع، ما يطرح معه تساؤلات عن أسباب انتشار هذه الظاهرة واقدام المستهلكين على اقتناء تلك السلع الكمالية ومن أبرزها السيارات الفارهة باهظة الثمن.

وقالت وكالة الانباء الكويتية (كونا) إن أصحاب الدخل المتوسط فضلا عن أصحاب الدخول الاعلى هم أكثر الفئات توجها نحو اقتناء سيارات باهظة تتخطى قيمتها 25 ألف دينار كويتي ومافوق، في وقت تظهر احصائية صادرة عن الإدارة المركزية للإحصاء أن معدل امتلاك الاسرة الكويتية الواحدة للسيارات يصل الى 3.4 سيارة.

ومع وضع بنك الكويت المركزي سياسة إقراضية مشددة على البنوك عبر حدود ائتمانية لا تتجاوز 40 في المئة بالنسبة للموظف و30 في المئة للمتقاعد كنسبة استقطاع من الراتب، يحرص عدد كبير من المواطنين على اقتناء السيارات الفارهة عبر قروض استهلاكية وشخصية في بعض الأحيان تقارب سقف حدودهم الائتمانية.

وبطبيعة الحال فمن شأن هذا الأمر أن يضيق على قدرتهم الشرائية لسلع ضرورية أخرى كما ستتأثر مستويات الدخل الشهري من خلال الأقساط العالية ولمدد زمنية تصل في بعض الاحيان الى 15 سنة، ما يجعل هذه الاقساط تزاحم شراء سلع أكثر ضرورة يحتاجها الفرد أو الأسرة بصورة عامة.

وبناء على دراسة صادرة من البنك السويسري فإن مجموع ديون العائلات الكويتية بحسب معدل الصرف الحالي بلغ 41 مليار دولار أميركي في 2009 مقارنة بتسعة مليارات دولار عام 2000 في حين بلغت قيمة الديون لكل كويتي 18280 دولارا.

وقالت مديرة فرع أحد البنوك الاسلامية أنوار سالم إن الفترة الحالية تشهد اقبالا كبيرا من المواطنين خصوصا الشباب على اقتناء سيارات فارهة تتجاوز قيمتها حاجز الـ25 ألف دينار وما فوق، رغم أنهم من أصحاب الدخل المتوسط ما ينعكس على دخولهم الشهرية تأثيرا سلبيا.

من جانبه، قال مسؤول المبيعات في احدى شركات السيارات محمد حبيب إن الكثير من الشباب في المجتمع الكويتي يقتنون أفخم السيارات ولو كانت أسعارها خيالية "ربما للفت الانظار وذلك على حساب أشياء أخرى.

وأضاف حبيب أن الكثيرين من العملاء خصوصا من الشباب ذوي الدخل المتوسط الذي لا يتعدى راتب احدهم حاجز الألف دينار كويتي ليست لديهم القدرة على شراء السيارات الفارهة التي تتعدى حاجز الـ25 ألف دينار كويتي ومافوق الا عن طريق القروض، ومع ذلك يصرون على اقتنائها مبتعدين عن التفكير السليم والايجابي في امور الحياة الاخرى والاحتياجات الضرورية لهم.

وأوضح أن الكثير من المواطنين خصوصا الشباب يستغلون التسهيلات البنكية المقدمة لهم بطريقة سلبية تماما حيث يركزون على الاهتمام بالمناحي الشكلية أمام الاخرين وتستنفد تلك القروض طاقتهم لتتراكم على شكل ديون بحيث تؤثر كثيرا على كاهل راتبهم الشخصي.

ويجمع كثير من الكويتيين على أن حب الظهور امام الاخرين بمظهر متميز يحول ظاهرة التعسف على الدخول الشهرية بالقروض الى "مشكلة كبيرة كونها مكلفة من الناحية المالية ولا تعكس الواقع الاجتماعي والمادي الصحيح".

وقال الشاب فهد الهاجري إن البنوك تعتبر محطة مهمة لحياة الكثير من هؤلاء خصوصا اذا كانت حالتهم بسيطة الا ان حب اقتناء السيارات الفارهة اوهمهم بواقع كاذب ما جعلهم يضعون على انفسهم الديون المتراكمة من اجل شراء تلك السيارات.

واكد الهاجري ان التباهي بتلك السيارات على حساب الدخل الشهري ليس مهما ولن يفيد ابدا اذا كان على شكل ديون او من اجل اشباع رغبة التفاخر والتباهي، معتبرا أن "جمال الحياة في بساطتها بكل شيء، وجمال الروح تكمن في الداخل وليس في الخارج".

من جهته، قال عبدالله خالد إنه طالما تمنى اقتناء "سيارة الحلم" منذ الصغر الا انه ومع مرور الوقت وزيادة متطلبات الحياة والمعيشة أصبح هذا الامر ثانويا بالنسبة له، فلم تعد تلك الامنية شغله الشاغل كما الحال بالنسبة للكثيرين على حد قوله.

واضاف خالد ان قيام البنوك المحلية بوضع نسبة ائتمان تصل الى 40 في المئة من راتب الموظف جعلت هذه الفكرة تتبدد شيئا فشيئا، مبديا استغرابه الشديد من بعض الافراد الذين وضعوا شراء السيارات الفارهة التي تتخطى قيمتها 20 الف دينار كويتي او اكثر اولوية بالنسبة لهم.

وذكر ان عددا من اصدقائه بمجرد حصولهم على الوظيفة سارعوا الى الاقتراض من البنك بغرض شراء مثل هذه السيارات في وقت كان من الأجدر ان يتم التصرف من خلالها بعقلانية اكثر عند التعامل مع السلع الكمالية.

من ناحيتها أكدت المواطنة خالدة علي وجوب زيادة الوعي حول مفهوم الترشيد في الإنفاق بين الشباب الذي لا يرى اي مشكلة في الاقتراض الحاد من اجل سيارة فارهة "وهذه مسؤولية مجتمعية يجب أن يساهم فيها القطاع العام والخاص بدل التشجيع على الاقتراض بهذا النوع".

ورأت أن بعض المسؤولية يقع على عاتق البنوك التي تغري الشباب بقروض سريعة لا تتطلب اكثر من ساعة واحدة من أجل الموافقة عليها وتكون متواجدة داخل معارض السيارات ما يساعد على الاقتراض دون حساب التكلفة الحقيقية او التفكير بشكل منطقي.