عالية شعيب تتخيل العطش في كتابين بغلاف واحد

بقلم: حسن أحمد عبدالله
أعرف بوابات هذا الوجه

"عطش" الدكتورة عالية شعيب يروي المتلقي في كثير من الصور التي تتحول ماء رقراقا في المخيلة، وليس لقارىء هذا الإصدار الجديد في سلسلة إصداراتها غير اللجوء إلى الواحات التي تفتح عليها عيونه. ففي 312 صفحة من القطع العادي اختصرت ستة بلدان في ثلاث سنوات، ووضعتهما في كتابين بعنوان واحد "عطش" و"اتخيل"، عن منشورات عالية، وصدر في الولايات المتحدة الأميركية.
اعتادت شعيب على المفاجأة في نصها، ولذلك دائما هناك جديد عما قبله من نصوص، ولذلك يحتاج القارىء إلى القراءة مرات عدة في النص الواحد ليعيد اكتشاف المرامي التي دائما ما تتفتح بين السطور، تكتب: أعرف بوابات هذا الوجه
قرنفلها لم يزل في قاعات درسي الخاص
حين كان الشجر يخرج من الجدران
ويمشي إليك
وهذا الذي تعرفه تمام المعرفة، ويمشي إليه الشجر، تعود إلى البحث عنه في ذاته وفيها لتعرفه من جديد، ربما، أو هي تروي بعض سيرته الغامضة، إذ تكتب: أفتش عنك فيك
أفتش فيك عني
افتش معك عنك
بعد هذا البحث ماذا وجدت شعيب؟ ما وجدت سوى مسك الماء
ونخلة في معطف جلدي
ترتق جوع الفقراء بالطيبة والرؤى
وهذه الشخصية لها صورة أخرى عند الشاعرة أستاذة فلسفة الأخلاق في جامعة الكويت، إذ: تضع الأناشيد ميزانها مع حركة أصابعك
تهتدي الطرق جميعها بفوانيس رئتيك
ترفع الأشجار قممها بضي كفيك
وتطهر المدن ذنوبها في ماء كفيك
"هو" في قصيدة عالية شعيب معروف ومجهول في آن واحد، ولذلك يكون نصها من النماذج التي يستطيع المتلقي إعادة اكتشاف صورة الرجل عند المرأة، لا سيما إذا كانت تجمع في وقت واحد بين إضاءات إبداعية عدة، قصة قصيرة، رواية، فن تشكيلي، نقد اجتماعي، أي أنها تنظر إلى الكائن الآخر من زوايا عدة، وتراه بعيون عدة.
ثمة كثير من الحزن في النص الأنثوي العربي، والقليل من الفرح، إلا أن الفرح هذا يغطي على الحزن في بعض الأحيان، وأحيانا تكتب المرأة كنوع من التحدي للرجل، أو تحاول أن تكون ندية في النص كتعبير عما تعانيه، ولهذا يتعاطى الرجل مع النص الأنثوي العربي بشيء من الخفة، حتى إذا احتفى بأي نص أنثوي، يكون ذلك عبارة عن تكريم مشوب بنوع من الاستعلاء.
وأكثر ما يدهش العربي الجرأة في المشاهد الجنسية التي تتحدث عنها المرأة، إذ ذاك يرى أنها خرقت "التابو"، وعندما تقدم المرأة نصا يعبر عنها كإنسان يتشارك مع الرجل في كل الهموم والاهتمامات، وتحاول إكمال الصورة المنقوصة في النص الذكوري العربي، يُهمل هذا النص.
ثمة بعض الكاتبات العربيات تجرأن على الإهمال الذكوري لنصهن المدرك لطبيعة الدور الذي تؤدينه في رسالة الكتابة، ومنهن في الكويت عديدات عملن على نص أرقى بكثير من نصوص لاقت رواجا لمجرد أنها أعطت الرجل ما يريده من تشييء المرأة، بينما اللواتي جعلن التشييء هدفا لهن كن محل احتفاء لافت للنظر.
ليس في "عطش"، و"اتخيل" ذاك التشييء، وليس نص شعيب عبثيا، إذا نظرنا إليه من الزاوية التي تنظر إليها المرأة إلى الرجل، فالمرأة المطيعة المحبة في هذا النص هي ذاتها الند للرجل، التي تقول كلمتها من دون أي وجل مما يمكن أن يكون عليه العقاب في حال اعتبرت متمردة على السلطة الذكورية، فهي عندما تكتب: صوتك
يمنحني وجها ضاحكا
وابتسامة مشرقة
يرسم لي خطوط بصمات واضحة
مترابطة،
منظمة، ناطقة
فهي أيضا تحاسب، وإن نظر البعض إلى ذلك الحساب كنوع من الانكسار، إلا أنه حساب فـ "الصغيرة" التي في الشارع وحدها: لم تزل
تلملم يتمها
تطرق الأبواب
يمزقها الحنين
فقط تبحث عن يدك
هي أيضا التي تخرج من: أبجدية حبك
جدية طازجة
لأن:
حنانك يدخل كهفه،
صدفته، قوقعته، صومعته
والعطش يغرقني
تتغير صورة الرجل في قصيدة شعيب بين الأب الذي ربما كان الإهداء إليه، إلى الذي "علمتني معنى الحياة، جدوى الحياة"، وهو أيضا في الوقت نفسه الرجل الحبيب الذي يجعلها غيابه تنسى كيف تتكلم: نسيت كيف اتكلم
يتنامى في وجعي عبث الكون
لا أغادر فراشي
وأرفض ما ينتظرني خلف الستارة
هذا الرفض تعبر عنه في مكان آخر عندما تعلن: احتاجك
لأكلل هذا الخراب بوردة
لأن جرح الوقت يغور: أعمق فأعمق
امنحه زعفران دمي
ولا يهدأ بكاء الجدار
ولأنها ترفض أن تصير أسيرة الوحدة تبني عوالمها الخاصة، إذ هي تكتب: سأبحث عن طريقة
يفهمني بها الشجر
ويراقصني بها الفراش،
يكلمني الطير
ويلدني بها المطر
سابحث عن طريقة
لأستعيد بها كبريائي الذي سحقته
ونفسي التي أهدرتها
و"عليائي" التي أهبطتها
إذن أعلنت ثورتها أخيرا لتقول هكذا الأنثى تصبر إلى أن يفيض بها الكيل، وربما صبر الأنثى له علاقة بطبيعتها، إذ الحمل في بعض منه صبر طويل، وبعد كل الذي قالته في الرجل تعلن ثورتها، ولا تكتفي بذلك لأنها تخبره عن حقيقة ضعفه، ربما، حين تقول: النوم يأخذك لنفسك
لقساوتك لجسارتك
يزيد أنانيتك مقداراً
ويزيد لا مبالاتك الفاً
وتزيد: سأتركك لنومك
وسأتركك لنفسك لتحبها أكثر
وأكثر وأكثر ..
سأتركك
في ما تبقى من الكتابين المجتمعين في كتاب واحد تتراوح اللغة بين التأنيب والحب، بين الدهشة واليقين، وتستمر في السير بالقارىء إلى أماكن معروفة له لكنها تعلمه كيف يعيد اكتشافها مرة أخرى. عالية شعيب في سطور من إعداد ليلى محمد صالح الدكتورة عالية شعيب
- قاصة وناقدة وفنانة تشكيلية.
- ولدت عالية محمد شعيب في الكويت عام 1964.
- في عام 1981 حصلت على الثانوية العامة.
- في عام 1985 حصلت على ليسانس آداب – فلسفة من جامعة الكويت.
- في عام 1991 حصلت على درجة الماجستير من جامعة برمنجهام في بريطانيا في فلسفة الأخلاق، وكان موضوعها بعنوان (أخلاقية الفعل الإنساني).
- في عام 1994 حصلت على درجة الدكتوراة من جامعة برمنجهام في بريطانيا وعنوان رسالتها (الهوية الجسدية للمرأة).
- عضو في جمعية الفنون التشكيلية.
- عضو في رابطة الأدباء في الكويت.
- عضو في جمعية الخريجيين.
- أقامت خمسة معارض بين الكويت وبريطانيا.
- الأول معرض (كولاج) في جامعة الكويت عام 1989.
- الثاني بجامعة برمنجهام – بريطانيا عام 1991.
- الثالث في صالة أرجايل بلندن عام 1992.
- الرابع في صالة الخريجيين – جامعة الخريجيين الكويتية عام 1992.
- الخامس في المرسم الحر عام 1993م بعنوان (بورتريه غربة).
- أسهمت في الحركة الأدبية في الكويت من خلال قصصها ومقالاتها، ولها دور بارز في الحركة الفنية التشكيلية من خلال لوحاتها ومعارضها الفنية.
- كتبت العديد من القصص القصيرة، والمقالة النقدية، والخواطر الشعرية في الصحف والمجلات المحلية والخليجية والعربية.
- تدرّس حالياً مادة الفلسفة: فلسفة الأخلاق والأخلاق في المجتمع الحديث – قسم الفلسفة – جامعة الكويت.
مؤلفاتها:

1- امرأة لا تتزوج البحر(مجموعة قصصية) صدرت عام 1989 في الكويت.
2- بلا وجه (مجموعة قصصية) صدرت عام 1991 في بريطانيا.
3- عناكب ترثي جرحاً (ديوان شعر) صدر عام 1993 في الكويت.
4- الذخيرة فيّ أصرخي في فمي. ديوان شعر صدر عام 1995.