'عالم المعرفة' تتساءل: ما المعرفة؟

منهج لتدريس المعرفة

"نحن نهتم بالمعرفة لأنها ذات أهمية جوهرية للحياة التي تتضمن قيمة تجعلها تستحق أن يعيشها الإنسان. وربما كانت مسائل الإبستمولوجيا ذات طابع تجريدي، بيد أن أهميتها لحياتنا مسألة حيوية بكل تأكيد".

هكذا ينهي دنكان بريتشارد كتابه الصادر عن سلسلة "عالم المعرفة" بالكويت، بهذا التعليق المختصر الذي يوجز فيه سبب اهتمامنا بالمعرفة وتكبدنا عناء استيعاب ما تعنيه نظرية المعرفة بالأساس في حياتنا.

ويقول مترجم الكتاب مصطفى ناصر في مقدمة: "ربما بدت لنا المعرفة ونظريتها من المسائل البديهية التي لا تحتاج إلى تأمل ودراسة أو حتى الانتباه إليها. ولكن ذلك شيء بعيد عن أن يكون صحيحا. في واقع الأمر تعتبر نظرية المعرفة أو (الإبستمولوجيا) من المسائل الفكرية المعقدة التي تتسم كثيرا بالتجريد، وهي فعلا كذلك، وربما كان هذا هو السبب في العزوف عن التفكير فيها في المقام الأول، إننا إزاء هذه المعرفة كأنما نقف أمام لوحة لبيكاسو في بعض مراحل مشواره الفني نتأملها، وقد نفهم أو لا نفهم أسرار الشكل والألوان. أو كأنما هي رواية من روايات جيمس جويس نريد أن نستوعب معانيها. لكن هل يعني ذلك أن مثل هذه المسائل المعقدة مجرد هراء؟ إن محاولة التعرف على حقيقة وأسرار وجودنا ليست بالمهمة السهلة على الإطلاق ولا هي بالمستحيلة كذلك".

ويؤكد أن الله تعالى خلقنا في هذه الأرض وميزنا عن جميع مخلوقاته بالعقل والسمع والأبصار والأفئدة التي هي من وسائل المعرفة التي تمكننا من إصلاح الأرض، وأراد منا أن نعرف أسرار الوجود ونسعى إلى الحقيقة. فمن شاء أن يستخدم عقله فليفعل ومن لم يشأ واختار أن يبقى سادرا في دياجير الظلام فذلك شأنه "قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور".

ومن أول أسرار الوجود هذه المعرفة التي هي مفتاح الحقيقة، ربما يبدو هذا شيئا يسهل قوله، ولكن بالتأكيد يصعب التطرق إليه وسبر أغواره.

إن كتاب "ما المعرفة؟" (الذي يحمل رقم 404 من السلسلة الكويتية) يكاد يكون نموذجيا لإرشادنا في محاولتنا، فهو يساعدنا على الإبحار في محيط نظرية المعرفة ومواجهة تياراتها الفكرية. وقد بذل مؤلفه جهدا ليحاول تبسيط الموضوع قدر الإمكان.

والمترجم حين يقول ذلك فهو لا يعني أن القارئ لن يواجه صعوبة في مشواره مع الكتاب، ولكن هذا هو قدرنا مع الفكر والمعرفة ومع ذلك فنحن لن نعتبر أنفسنا طلاب فلسفة حين نقرأ هذا الكتاب، فهو بعيد عن الخوض في متاهاتها، وإنما هي محاولة لا بد من أن نقدم عليها إذا أردنا أن نعرف: ما المعرفة؟

هذا ما حرص عليه مصطفى ناصر حين وقع اختياره على هذا الكتاب لكي يترجمه إلى العربية ويقدمه إلى القارئ لكي يتعرف على الموضوع ولا ينفر منه. لنتخذ خطوة على طريق المعرفة من دون وجل لأن هذا كتاب مبسط قدر الإمكان يسعى إلى إرشادنا إلى الطريق.

يتضمن الكتاب مزايا عدة منها تقسيم الموضوع على فصول كثيرة مختصرة تتقدم مع القارئ شيئا فشيئا، وفي نهاية كل فصل هناك خلاصة للموضوع، وأسئلة للمراجعة وقائمة بالمراجع للتوسع في التعليق عليها، إضافة إلى مصادر من الإنترتت تواكب آخر المستجدات، وضمن كل فصل هناك حقول خاصة تضمنت بعض المعلومات عن شخصيات ونظريات فكرية وفلسفية أو حتى فكرة معينة تضمنها فيلم من الخيال العلمي بما له صلة بالموضوع.

يتناول الجزء الأول من الكتاب موضوعات عامة ضمن إطار نظرية المعرفة، وتطرح فيه جملة من التساؤلات، على سبيل المثال: ما قيمة المعرفة؟ (من الذي يكترث بأن يعرف شيئا).

أما الجزء الثاني فيلقي الضوء على الموارد التي تستمد منها المعرفة ويتفحص دور الإدراك الحسي والذاكرة مثلا في مساعدتنا على اكتساب المعرفة والتمسك بها.

وينتهي هذا الجزء بتحليل نمط محدد من أنماط المعرفة ـ المعرفة الأخلاقية ـ ويطرح تساؤلا عن مصدر اكتساب هذا النوع من المعرفة، على افتراض أننا نمتلك شيئا منها.

ويتناول الجزء الثالث نطاق معرفتنا، ويتطرق إلى نقاشات يعتريها شيء من التشكك بهدف إظهار أن امتلاك المرء للمعرفة ـ أو على الأقل بعض أنواع المعرفة ـ شيء من المستحيل أن يتحقق.

وفي نهاية الكتاب هناك عدة ملاحق تشرح كل المصطلحات التي وردت في الكتاب والأمثلة التي تطرق إليها المؤلف لتبسيط الموضوع وجعله أكثر سلاسة مع ملحق شامل للمراجع، وهذا كله يجعل الكتاب يكاد يصلح منهجا لتدريس المعرفة.

مؤلف الكتاب دنكان بريتشارد استا الفلسفة في جامعة سترلنغ واستاذ الإبستمولوجيا في جامعة أدنبره بالمملكة المتحدة. متخصص في موضوع نظرية المعرفة ويعد من مراجعها البارزين، وصدرت له عدة مؤلفات في هذا المجال، منها: المعرفة 2009، وجدل المعرفة 2008، واشرف على تحرير كتاب "الحظ المعرفي" 2005، ومن مساهماته الأخرى "الإبستمولوجيا من الألف إلى الياء".

اما المترجم مصطفى ناصر فهو خريج كلية الآداب جامعة البصرة، وحصل على شهادة دبلوم عال في التوثيق العلمي، من جامعة المستنصرية في العام 1980. ومن ترجماته: رواية في انتظار الماهاتما للروائي الهندي ناريان، و"الأجنحة الحزينة: دراسات في الأدب الإيرلندي" لـ ريتشارد إيلمان، و"كيف تقرأ القصيدة" للناقد الإنجليزي تيري إيغلتون.