'عالم آخر يخصّني' .. تأملات الذات وشوق الطفولة

هواجس تنتاب الشخصيات الأساسية

تتنوع المحاور الحيوية التي تدور حولها قصص غفران طحان في مجموعتها القصصية الجديدة "عالم آخر يخصّني" الصادرة حديثاً عن دار نون 4 في حلب ـ سوريا. إنه بالفعل عالم آخر، منفتح تجاه الذات من جهة، وينحو إلى الخارج حيث المجتمع ليسائله من جهة أخرى عن الكثير من الأمور المهمة والمتغيرات التي تعتري الشخصية فجأة أو على مهل، من دون تفسيرات مباشرة.

فالخوف من تخطّي الطفولة، والدخول المباغت إلى عالم الكبار المليء بالغموض، يظهر على شكل هواجس تنتاب الشخصيات الأساسية في كلٍّ من القصص: "نبوءة جدتي، عالم آخر يخصني، لم يعد للتفاح مكان، كان أقرب من يقين". حيث تبدو الطفولة ومتعلقاتها أموراً حيوية مألوفة تستكين إليها الشخصية الطفلة، أو التي تسكنها بساطة الطفولة، وهي تحمل في داخلها الوعي بحالها، ولكنها ترغب عن الالتحاق بعالم الكبار الذي تمثّله الجَدّة حيناً، والأخت الكبرى، أو الحبيب حيناً آخر؛ "رحلت ريم أيضاً عن غرفتنا... وتركت لون الورد في الغرفة يذبل. وانعزلت في غرفةٍ جعلت شهقاتي تتلاحق لحظة دخولي إليها... فلا دمى متناثرة هنا وهنا. ولا رسومات تغزو الجدران. ولا دفاتر وأقلام مبعثرة، بل كانت مرتبة بطريقة مملة! أين حرارة الألوان، وصخب الفرح، أين صوري معها؟ ولِمَ اجتمع المطربون والمطربات على جدرانها يقيمون حفلات صمت مزعجة!؟" فمفردات المراهقة والزواج والولادة والأمومة، وكذلك الموت، تمثّل الضفّة أو الطرف الآخر الذي لا بدّ للبطلة من سبيل طويل إليه.

ويبرز في المجموعة النفور من الآلات، ضمن الخط العام الذي تبتعد فيه الشخصية الرئيسية عن كل ما هو غامض وغريب وغير مألوف، ومنها القطار والطائرة، ففي قصة "ثرثرة أنامل"، تتساءل البطلة المسافرة في القطار عن وسيلة النقل المزعجة هذه "كنت أنوي النهوض، والبحث عن مقعد آخر يحتويني بعيداً عنه، ولكنّ الدوار الذي استعمر رأسي، منعني من المشي في أروقة قطار يتحرك بطيش. وكل من حولي نائم، كيف يستطيعون النوم مع صخب أرجل هذه الآلة اللعينة!؟"، وفي قصة "ولم تكن النهاية" يرتبط الصداع والإحساس بالخمول والملل والعجز عن متابعة فعاليات اليوم ونشاطه، بهدير الطائرة التي تحوم باستمرار.

• الماء والحياة:

وفي المقابل، فإنّ الماء عنصر طبيعي مألوف جداً، تهرع إليه البطلة لتنقّي ذاتها من آلام اليوم المتعب، أو لتحاول الاستفاقة من صداع طويل، أو لتتأمل موقعها في الحياة، وتشرع في البدء من جديد فيما تخطط له، أو ترغب في مواصلة ما انقطع بينها وبين العالم.

يظهر هذا جلياً في كل من القصص: "ولم تكن النهاية، نحو شرقٍ آخر هناك، نبوءة جدتي"، وتقول البطلة في قصة "ولم تكن النهاية": "كانت قطرات الماء تندفع بأقصى قوّتها تجاه رأسي، وأنا أستسلم لضرباتها علّها تُسكت ذاك الضجيج الذي يعمر ذاكرتي، وتشبع نهم صداعي. كانت تتدحرج لتتعانق شوقاً على وجهي، وتسقط معاً نحو نهايتها. أو بدايتها... من يعلم!؟".

ومع أن قصة "نحو شرق آخر هناك" توحي بأن الماء هو النهاية، فهي تفتح نافذة من الأمل، لأنّ رحيل المرأة التي تُدعى "سلام" هو مقدّمة لأن يتأمّل أهل القرية حالهم ويفكروا في سبب تغييب "سلام" نفسها في ماء البحر ليلاً، "وحده الموت سيد هذا الصباح، كان يقف مزهواً بانتصاره، يصافح هدوء البحر الذي أهداه تلك الحسناء، أما أهالي القرية فلم يتكلّفوا عناء الحزن، لم تضجّ المآقي بملحها على تلك الروح التي رحلت، لم تعبر الآه أيّ صدرٍ أو حنجرة. فقط رهبة الموت راحت تتثاءب في أرواحهم بعد طول اطمئنان".

إنها المفارقة بين ظلام الليل الذي يحتوي الحقيقة، ونور النهار الذي قد يشغل الناس عن رؤية الحقيقة، وفي هذه القصة تُمثّل العجوز صلة الوصل بين "سلام" وأهل القرية، لأنها الوحيدة التي كانت ترى في المرأة سلام الروح والرغبة في لقاء أبيها الذي اختفى خلف البحار وتركها تنتظر، "أدارت العجوز رأسها نحو النسوة، وقالت: لا حاجة إلى حضوركنّ هنا، ولا حاجة لهذا الجسد بالغسل. لقد عقدَت صفقتها مع البحر. أهدته طهرها فغسلها بالنقاء، وقدّمه للموت قرباناً".

• قضايا الكتّاب والمبدعين:

لهموم الكتّاب والمبدعين والفنانين مساحة ثلاث قصص في مجموعة "غفران طحان"، ففي: "تلك التي، سيدة الكلمات، نبيّ الصمت" نرى الحيرة التي تعتري المبدع وهو يبحث عن كلماته التي يمكن أن تعبّر عن موقفه مما يحيط به، أو عن رغباته وآماله الضائعة، وعن محاولاته للتواصل مع آخرين يفتقدهم وليسوا إلى جواره. إذ تنطوي القصص الثلاث على تجاور القيم النبيلة، وترتبط بوعي مبطّن بجلال الفن وسموّه عمّا عداه من مكوّنات في المجتمع الذي يحفل بالمتناقضات.

من خلال العناوين نلمح كلمات: "سيّدة" و"نبيّ"، ففي قصة "سيدة الكلمات" لقبٌ اشتهرت به بطلة القصة منذ سنواتها الجامعية، وبراعتها في استخدام الكلمات ببلاغة وإبداع الوصول إلى الهدف وإعجاب المتلقين، "يجب أن تكون الكلمة مؤثرة وواضحة، يجب أن تستحق أن أبدأ حياتي بها من جديد بعد ساعات من الرقاد وفوضى الحمى والهذيان"، وفي القصة الثانية تَصوُّر خاص للبطل عن ذاته؛ فهو المبدع يرى نفسه أشبه بالنبي الذي يكون وحيداً بين قومه، ويقاسي المشقّة حتى تنال رسالته ملامسة قلوبهم وعقولهم.

إنّ المجتمع في عموم قصص المجموعة "عالم آخر يخصّني" هو طرف نقيض من الذات، قد يلتقي بها في مناسبات قليلة، غير أن الغالب هو وقوف الذات على مسافة فاصلة كافية للتأمل. قد يكون ثمّة تبادل للأدوار، كما في القصة المتميزة "بوح الرماد"، إذ يعجز الرجل المجذوب عن حماية المرأة التي أحرق أهل القرية بيتها فماتت وسط الدخان، وتحوّلت إلى شبح يَلُوح في البيت المهجور، "كانت حسناء "المجذوب" ترحل بعيداً عنّي، وقد توقفَت عن الغناء. أما الدخان فقد تركها وحيدة. انطفأت جمرة النار التي كانت تشتعل. وهبّت ريح قوية خطفت من يدي بقايا الحكاية. حاولتُ اللحاق بعينيها الواسعتين. بصوتها الذي غاب. حاولتُ سؤالها عن تفاصيل قصتها مع ذلك المجذوب. ولكنّ صوتي قد غاب. وأمامي لاحت صورة امرأةٍ ترتدي الشمس". ولكنّ رجلاً آخر يَدخل البيت ويرى الشبح، فيصبح مجذوباً آخر ينقل وريقات إلى بابِ بيت شابٍ آخر في القرية، لتستمرّ رسالة الدخان والمطالبة بالعدالة تسري بين السكّان.

• نحو شرق آخر:

وقد نجد قصصاً غريبة من قبيل "وعلى عجل"، إذ يخلّف الرجل كل شيء وراءه: الحبيبة، والأهل، والجيران، في سبيل قضية ثأر سيدفع ثمنها وهو راضٍ، في إشارة إلى مفاهيم مشوّهة لا تمتّ إلى الجمال والعدالة بصلة، يقول هذا الرجل: "كنت أدرك تماماً أنني أسير إلى ذاكرة الخيبة، إلى ركنٍ معتمٍ من الزمن، ربّما إلى الهاوية، وبعيداً عنك كنت سأكون! وعلى عجل غاليتي... صدقاً على عجل. لملمتُ أجزائي، ومِزَق ذاكرتي، أسرجتُ عباءة الغياب، وارتديت لحاف الغربة. وعلى فراش العتمة وجَدتُني!"

وتعيد البطلة ترتيب علاقتها بالواقع في قصة "ومضيت وحدي"، من خلال الحديث مع حارس المقبرة حديثاً مباشراً، وعدم الاكتفاء بما يقال عنه من خرافات.

وأخيراً فإن في قصة "نحو شرقٍ آخر هناك"، فصلاً بين ذات البطلة والمجتمع المحيط، تغذّيه انكساراتها وانتظارها وأملها الذي لن تفهمه سوى عجوز القرية.