عاصفةٌ من الورق

قصة: سمية البوغافرية
أوراقهم تمزق وتهدى بسخاء للرياح

مبتسما فخورا بنفسه، يمضى إلى مقر عمله في وسط المدينة وهو يتملى برياض الحرف من خلف نافذتي سيارته ويرعاها عن بعد كأنها كلها منتدياته وليس مجرد امتداد لمنتداه الأول الذي رغم بساطته وحقارته لا يزال الكل يربط إليه هذه الثورة الحرفية الهائلة.
يكفي أن تخطو خطوات معدودة في أي شارع أو حي سكني حتى تجد نفسك في حضن منتديات راقية بشخوص ومواضيع تتلمسها الحواس والجوارح وبنكهة تشد الكثير. وإذا فرغت منهم الشوارع تحسبا للطقس المتقلب أو ثقلت رجلاك من العياء بسبب سنك المتقدم أو بسبب مرض امتص حيويتك فاعطف من أول زاوية قريبة منك لتجدهم هناك في جو حميمي ونقاش يعلو ويهبط ليرسو رذاذ مطر ربيعي على النفوس، أو ادخل أقرب مقهى بجانبك إذا كنت كبيرا في مركزك ولا يروقك الجلوس إلى الأرض والتوكؤ على ركبتيك للتصفح.
يتذكر الدكتور فهيم جيدا أنه لم يخرج صباحه بنية تأسيس منتداه كما لم تراوده فكرة تأسيسه من قبل. فقد كان ماضيا يجر ضعفه وعوزه إلى السوق لاستئناف عمله الذي أقعدته عنه هراوة الأمن مدة أسبوعين متتاليين، ليرى طلبات زبنائه من الخضر والفواكه فيحملها إليهم من سوق الجملة مع فجر اليوم التالي. وهو عمل يمارسه منذ مدة بحذر وبسرية تامة. يخشى دائما أن يراه أحد من جيرانه أو أقاربه فيجردونه من لقب الدكتور ويلبسونه لقب الحمال كما رفيقه المختفي.
ورغم الفتور العميق الذي لبسه ويشده إلى مكانه مع كل خطوة، واصل يدفع جسده إلى الأمام بإصرار شديد. التوت ساقاه تزاحمان أقدام المتسوقين في ضعف مبين مع عرق بارد يغسل جسده. حاول أن يدفع خطوه أكثر إلى داخل السوق لكنه فوجئ بجسده يسقط منه وينزف آخر ذرة من حيويته مع ألم حاد اشتعل أسفل ظهره بسبب هراوة الأمن التي فككت فقرات عموده الفقري ذات زوال احتجاجي رهيب. فنزل من طوله يسند ظهره إلى جدار السوق العطن برائحة البول ورائحة الفواكه والخضر الفاسدة المتراكمة على بعد أمتار منه.
بعينين شبه مغمضتين، تابع نشاط العشاب الزنجي أمامه وهو يرفع مواد صيدليته المتحركة يعرِّف بها ويؤكد على سحر مفعولها بصوت رنان يشق أذنيه كنصل الخنجر: (هذا دواء للروماتيزم، هذا للمرارة، وهذا للسرطان وهذا للفشل الكلوي، وهذا للضعف الجنسي. وهذه لضمان نجاحاتكم.......). وأرجل نساء وشيوخ ومرضى تتدافع نحوه للتزود بأدوية كل الأمراض. وتلاميذ عائدون من مدارسهم يتسابقون بدورهم على بركته التي يلفها في أوراق صغيرة ويدسها في أيديهم ثم يندفعون بها كأنهم قبضوا على كنوز الدنيا.
اتسعت حدقتاه وانبسطت أسارير وجهه فاستجمع قواه واندفع، كطائر دفع به إلى الطيران بعدما قصقصت جناحاه، يعاود ذات مشواره.
بلغ غرفته. مسحها بنظرة مفعمة بالرضا والأمان كما لم يفعل قط من قبل. فهو دائما يتهرب منها ولا يأتيها إلا لينام بعدما يمضي جل ليله في نادي الإنترنت القريب. يتهرب من ضيقها ومن أوراقه التي تطل عليه من أعلى الرفوف ومن حوله كرؤوس ثعابين تحقنه بسموم مميتة. وقد كاد مؤخرا يشعل فيها النار ويلقي نفسه في البحر لكنه تراجع ريثما يشتد عوده ويقوى على بلوغ البحر. بدت له حينه كنوزا. ابتسم لها ومد يداه يستلها من الرفوف برفق شديد ويضعها في صندوق كرتوني. ثم خرج يدفع بنفسه ويمدد عموده الفقري الذي يخزه بألم مميت مع أدنى انحناءة أو انحراف جهة اليمين أو اليسار.
تماما قبالة العشاب على يمين بوابة السوق، حط برحاله. ووسط دهشة العيون المحيطة به، نظف بيديه المكان وبسط فرشة بلاستيكية وفرش فوقها بضاعته كربطات النعناع والقصبور والخس المفروشة غير بعيد منه. في الوسط وضع رواياته، وحولها قصصه، مقالاته، أبحاثه. بعضها مطبوع في كتيبات صغيرة وأخرى أوراق أغلبها مكتوبة بخط يده ومرتبة في ملفات ذات ألوان مختلفة. أعلى رأسه ألصق شواهده الأكاديمية وأخرى تقديرية حاز عليها على مدار فترات عمره الإدراكي. وبصعوبة شديدة، رفع يديه إلى أعلى الجدار فغطي "ممنوع التبول هنا" المخطط على الجدار بخط كبير أحمر ورديئ، بيافطة كتب عليها بخط عريض: هنا القراءة متعة وفائدة.
ثم قرفص في زاويته وغاب مع قلمه. ومن حين لآخر ترف على شفتيه بسمة خارقة. استغرب معارفه من أمره وانصرفوا عنه يحوقلون ويضربون كفا بكف. في حين تعلقت أعين الشباب بشواهده أعلى الجدار فتحدرت إلى وجهه وبادلوه ابتسامات رقيقة وأياديهم تمتد إلى أوراقه المسعرة بتسعيرة التصفح فقط دون السماح لهم بالشراء أو استعارتها كما تؤكد يافطة الإعلان بجانبه.
كبرت الحلقة حوله وضاق بهم المكان فعمد الدكتور فهيم ذات صباح باكر إلى تنظيف حيز النفايات واستغلاله لاستقبال رواده الذين يتكاثرون يوما بعد يوم. ولا ينصرفون عنه حتى يحجب ستار الليل الحرف عن أعينهم. كما اقتحمت قفره عدسات كثيرة محلية وأجنبية ووشح صدره في مناسبات كثيرة بنياشين التميز وطبعت جل أعماله وانتشرت كريح طيبة. وكموضة العصر، تفجرت منتديات صغيرة في كل مكان. بعضها أكثر تجهيزا وعصرنة وأناقة من منتدى الدكتور فهيم. ولا تخلو بعضها من الحواسب وآلات الطباعة وبعض الكراسي.
زلزلته أبواق السيارات من الخلف فالتفت إلى الضوء الأخضر وداس على الدواسة يلتهم المسافة المتبقية عن مقر مجلته الأدبية وسط المدينة. وقد تخفف تماما من الهلع الذي يعتصره دائما من أن يستيقظ يوما فيجد الأرض، تحت ذرائع شتى، قد مسحت من الأوراق وعاد الحرف إلى غمده يموت في صمت ويطل على الكتاب من فوق الرفوف كمناقير الكواسر الشريرة كما كان الحال قبل سنوات. أقنع نفسه هذه المرة، بأن الأوردة قد امتلأت بحب الحرف وأن انفجارا مزلزلا للأركان قد يحدث إذا امتدت الأيادي لتجتثه أو تخنقه. فتحزم بحزام الأمان وأطلق عنان بصره ينتشي برياض الحرف حوله.
فجأة، تذبذب المقود بين يديه وتمردت عيناه على محجريهما لهول ما يراه. الأرض تهتز من تحت أقدام الكتاب وهم يفرون بأوراقهم والهراوى تلحقهم. وقد سقط الكثير منهم في المصيدة تدكهم الهراوى وترفسهم قوائم من حديد وأوراقهم تمزق وتهدى بسخاء للرياح. تدفقت في شرايينه حمم بركانية فضغط على الدواسة بكل قوته واقتحم عاصفة الورق بسرعة جنونية وهو يزمر زمار الموت. سمية البوغافرية