عاشوراء.. لإخوان الصفا رأيهم!

ثأر الحسين عند الفاسدين والمتاجرين باسمه

ليس الاحتفال في العاشر من عاشوراء ابتكاراً لسلطة بعينها، في أول أمره، بل بدأ شأناً شعبياً. إلا أنه استغل وحُرف عن تلقائيته. وهنا لا بد من النظر في تأدية مراسمه، وعلى الخصوص أنه مكرس لاستذكار الحسين بن علي بن أبي طالب (قُتل 61هـ). وهي مناسبة أشاعها البويهيون رسمياً السنة (352هـ)، ثم أُضيف إليها ما أُضيف! ولعديد من فقهاء المذهب آراء لتهذيبها، أتينا عليها في مناسبات سابقة.

بعدها ظل الطقس يتداول سنوياً، مع استغلاله من سلطة أو معارضة، ومنها السنة (389هـ) لما ظهر الشيعة حزنهم ببغداد، برز السُنَّة «وجعلوا بإزاء يوم عاشوراء يوماً... نسبته إلى مقتل مُصْعَب بن الزبير (72هـ) وزارت قبره بمسكن (حيث الدُجَيل) كما يُزار قبر الحسين» (تاريخ الصابي). مع أنه لا خلاف بين الشخصيتين، حتى يتناكف الأتباع بهما. كان مُصْعَب متزوجاً من سُكينة بنت الحسين (ت 117هـ)، ومن عائشة بنت طلحة (ت 101هـ)، «وجمعهما في داره، وكانتا من أعظم النساء قدراً» (ابن الطقطقي، الفخري). ويُذكر أن الكوفيين تركوا الحسين فريداً، ومن بعده مُصْعَباً! فقالت سُكينة: «يا أهل الكوفة! أيتمتموني صغيرة، وأرملتموني كبيرة» (الشالجي، الكنايات)! وهنا يأخذنا أعجب الأعاجيب من عداوات المتأخرين بغطاء الأولين! فهل للسيدتين الاجتماع تحت سقف واحد في ما إذا توزرتا بوزر ما حدث بين أبويهما بالبصرة (36 هـ)، مثلما يتقابل الأتباع بهما بعد مرور (1400) سنة؟!

ولعل أول تاريخ ذُكرت فيه قصة مقتل الحسين مفصلة هو «تاريخ الأمم والملوك» للطبري (ت 310هـ) نقلاً عن الإخباري أبي مخنف، وهو يتطابق إلى حد ما مع القصة التي تُقرأ في يوم عاشوراء. ولو لم توثق تلك الحادثة في أمهات التواريخ، مثل الكتاب المذكور و«تاريخ اليعقوبي» وسواهما، لقلنا ان مصادفتها العاشر من محرم كانت مبتكرة، وذلك لمنزلة هذا اليوم لدى العديد من الملل والنحل.

لقد كثر تخيل الفأل والشؤم في هذا اليوم: صامه المسلمون، قبل بلوغ الحسين سن الرشد، وقبلهم صامه اليهود عيداً بغرق فرعون ونجاة موسى! وفيه «قُبلت توبة آدم، ورست سفينة نوح، وبردت النار على إبراهيم، وكُشف الضر عن أيوب، وخرج يوسف من الجب». وبالجملة قال القزويني (ت 682هـ): «يوم معظم في جميع الملل... حتى اتفق في هذا اليوم قتل الحسين»(عجائب المخلوقات).

خلا ذلك، سمى الصابئة المندائيون (ديانة عراقية قديمة) مأتمهم على غرقى الطوفان العظيم بالعاشورية. يوماً يقيمون فيه: «الثواب لضحايا طوفان سيدنا نوح» (برنجي، الصابئة المندائيون). ويسمى في لغتهم، الآرامية الشرقية، باللوفاني، أي طعام الرحمة، وهو الهريسة، وهو ما يُعمل في مقتل الإمام الحسين تماماً. وشاع بين العراقيين: «يلطم على الهريسة مو على الحسين»! وللنجفيين قولهم: «على القيمة»، وهو طعام في المناسبة أيضاً!

وبعد الاستفسار من رجل دين مندائي قال: «ارتبطت ظاهراً بضحايا الطوفان، إلا أن حقيقتها هي استذكار الـ 365 رجل دين، قتلهم اليهود في أورشليم، على أساس ألا يُعبد الله فيها إلا بطريقتهم»! وسمي بيوم الثواب، وصادف (18 ديسمبر) من العام الماضي، وكل أربع سنوات ينقص يوماً حسب كبس المندائيين للسنين. والمغزى أنهم لا يريدون تجديد الأحقاد والضغائن، «ولا تزر وازرة وزر أخرى»، فحُولت المناسبة إلى ما يجمع البشر!».

ولإخوان الصفا البصريين رأيهم في استذكار ملاحم القتل، ومنها عاشوراء، وتبعات خروجها عن المعقول على الأجيال: «ومن الأبيات الموزونة أيضاً ما تثير الأحقاد الكامنة، وتحرك النفوس الساكنة، وتلهب فيها بنيران الغضب، مثل قول القائل: اذكروا مصرع الحسين... فان هذه الأبيات وأخواتها أيضاً أثارت أحقاداً» (رسالة الموسيقى).

وغيرةً على مذهبهم، قال أهل الصفا: «من الناس طائفة قد جعلت التشيع مكسباً لها، مثل الناحة والقصاص! لا يعرفون من التشيع إلا التبري والشتم والطعن واللعنة والبكاء مع الناحة...» (رسالة كيفية الدعوة إلى الله). ولأنهم أهل فلسفة وفكر، وهكذا يرون التشيع مدرسة فكرية وفقهية، لا مدرسة ثأرية، نقلوا قولاً للإمام الحسين يردون به على مستغلي الدين والمذهب: «... جلستم على باب الجنة فلا أنتم تعملون فتستوجبون الجنة، ولا تركتم غيركم يجوزكم فيدخل الجنة» (رسالة الآراء والديانات).

أرى أن تُخرج هذه المناسبة من الدولة، ألا تُعطل البلاد، من دون إعلان، عشرة أيام ثم عشرة ثانية! وأن ارتباطها بشخصية لا خلاف على مكانتها بين الناس، تستوجب السعي إلى تشذيبها. هذا، ويبقى استغراب الإمام علي السجاد (ت 99هـ) بليغاً، وهو يرى البواكي في طرقات الكوفة، حيث مروره والأسرة المنكوبة: «هؤلاء يبكين علينا فمَنْ قتلنا» (تاريخ اليعقوبي)؟!

رشيد الخيُّون

باحث عراقي