عاشوراء ... سكوت المرجعية شرعية أم تقية؟

تعتمد قوة قارئ المنبر على مدى إبكائه للناس

إن يضرب الرجل رأسه في الحائط ويدمي جبهته او تخمش المرأه وجهها وتشق ثوبها وتُظهر جسدها فزعا لمصيبه تحل عليهم؛ فهذا يمكن ان يُبرر بفقدان السيطرة على المشاعر والدخول في نوبه هيستريا متشنجه. لكن أن يقف الرجال صفا ويرتدون زيّا واحداً ويطبّرون رؤوسهم بالقامات على وقع الطبول وعلى نسق مرتب ومنظم فلا يمكن وصفه بأحد مظاهر الحزن او ما شاكله فهو أداء تمثيلي وممارسه مهنيه تتم بدقه وانضباط وسيطرة كاملة على حركه اليد، وهذا ما يتم ممارسته في ظاهره التطبير.

إنها ممارسة مهنية أكثر منها مظهر من مظاهر الحزن (المزعوم) على سيد الشهداء الحسين (ع)، والدليل أن الكثير من هؤلاء (المطبّرين) كما هو مشهور لا يُظهرون أي حزن اثناء الممارسة أو بعدها بل يتباهون ويتفاخرون ويضحكون وكأنهم كانوا يؤدون عملا مسرحيا.

لا علاقه للتطبير بالشعائر الحسينية لا من قريب ولا من بعيد، وجميع العلماء والمراجع الكبار يعلمون ذلك فلم يمارسه أحد منهم ولا حثّ أبناءه أو طلابه على ممارسته. بل تركوا هذا (الأجر) للعوام من الناس والجهلة كما يقول السيد الأميني في احتجاجه على المدافعين عن هذه المظاهر الشاذة.

لكن يبقى هنا لغزان يدور اللغط حولهما كل عام، مع حلول شهر محرم الحرام: الأول كيف شاعت هذه الظاهر ولماذا الاصرار عليها وعدم القدره على مواجهتها رغم الاعتراف بإساءتها للمذهب وللشعائر الحسينية؟ وحل هذا اللغز هو بدراسة ظاهره المنابر الحسينية والمتصدين لها. فهؤلاء هم الأقرب لعوام الناس من العلماء المنزوين في حلقاتهم وحوزاتهم الدراسية، وتحت هذه المنابر يتغذى فهم الجهلاء من العوام للدين.

إن المعضلة في المنبر الحسيني هي التشابك والتزاحم بين نشر مفاهيم النهضة الحسينية من جانب؛ ومحاولة استدرار العواطف وتهييج مشاعر الحزن والتي تعطي الزخم الشعبي الحقيقي للخطيب عند الناس فكلما برع في الابكاء والعويل كان منبره رائج وحشوده كثيرة من جانب آخر! إن خطيبا مثل الشيخ الوائلي على مكانتة العلمية ذكر يوما في إحدى محاضراته عدم وجود رواية واحدة قط تؤكد خروج زينب (ع) من الخيمه اثناء مصرع الحسين (ع) يوم عاشوراء.

لكنه حين انهى المحاضرة بالنواعي (النعي) كماهو معهود راح يردد ذهاب زينب إلى التل القريب من المخيم ومناداتها على الحسين فهي لم تخرج فقط بل وقفت على تل مرتفع يراها الناس كلهم. يبقى الإنسان العامي حائراً فيما يصدق من هذه الأقوال، فما بالنا ببقية الخطباء والذين لا يفرق أحدهم بين كلام الله تعالى وكلام أمير المؤمنين (ع)، لا يمكن الحد من ظاهرة التطبير ما لم تتم السيطرة على المنبر الحسيني، ولن تتم هذه السيطرة مالم تكن هناك مؤسّسة دينية منضبطة، وليست عشوائيه كما هي عليه الآن.

أما اللغز الثاني فهو موقف العلماء من هذه الظاهرة، فرغم شيوع مواقفهم ضدها لكن لحد الآن لا يوجد موقف معلن وصريح حتى من أفرادهم. عدا الفتاوى التي تتناقلها بعض المواقع والتي تتعرض في الغالب الى اللغط والتنكير والتحريف أو بنشر فتاوى مضادة المرجع أتفسهم. هذا اللغز في رأيي لايمكن فهمه إلا من خلال صحة بعض التهم لعلماء الشيعة، وهي أن علماء الشيعة يلوذون بالتقية أمام عوام الشيعة أنفسهم أو على حد هذا الاتهام أنهم (اي العلماء ) يرون أن التقية من عوام الشيعة أوجب من التقية من أعداءهم.

وبغض النظر عن صحة هذا الاتهام او عدمه (وأنا مع صحته) فأن مجرد سكوتهم عن هذه الممارسات الآن، وعدم استغلال مكانتهم التي حضوا بها في المجتمع العراقي والحكومة دليل على تقصير سوف يُحسب عليهم كلما اتسعت هذه المظاهر؛ وفرّخت مظاهر أخرى أشرس وافتك بالمذهب وبنهضه الحسين ومشاعره،.ظهور علني لمرجع ديني على شاشه التلفزيون وتحريمه علنا لهذه الممارسات، التي أقل ما يقال عنها أنها أبشع صوره لتشويه الحسين، وسيلة فعاله لمنعها (من رأى منكراً فليغيره) إلزام الوكلاء والخطباء الذين يسيرون على نهج المرجعية (وعددهم بآلاف) بالدعوة لمحاربة هذه الظاهرة.

احتفال الدم!
نشر الوعي بين الناس عن موقف المرجعية والحوزة المخالف لها سهل جدا ولا يحتاج سوى الاعلان الصريح عنه؛ لا الخجول المتستر كما هو عليه الآن، وبعكس ذلك فلن نكون قادرين على رد الاتهام للحوزة انها وراء تلك هذه الظاهرة وشيوعها وإسباغ الشرعية لها، وهو اتهام له ما يبرره فليس من المعقول ان تعجز الحوزة والمرجعية عن الوقف بوجه ظاهره هي في صميم اختصاصها ووظيفتها.

جاسم البغدادي