عاشوراء... أتقوا الله بالحسين بن علي

ماذا يفعلون إنه رزق الزخرفة!

غلب على الظن أنه ليس هناك حدث دخل الوجدان، على مدى العصور، مثل مقتل الإمام الحسين بن علي (قُتل 61 هـ). بالمقابل ليس من حدث وظف في السياسة والحزبية والتجارة بحجم توظيفه، وعلى مدى العصور أيضاً. هنا يأتي المميز بين الشعائر والشعارات. المقصود في الأولى ما عمل لطاعة الله في الحج (الجوهري، الصحاح)، أما الثَّانية فتتحمل أكثر من مقصد، ذلك إذا علمنا أن الشعار هو علامة القوم في الحرب، ويقال لِما ولى الجسد من ثياب: شِعاراً (المصدر نفسه)، أي يُعرف به الإنسان.

وردت الشعائر، لا الشعارات، في أربعة مواضع مِن الكتاب العزيز: "إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ" (البَقرة: 158)، و"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ …" (المائدة: 2)، و"ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ" (الحِج: 32)، و"وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ" (الحج: 36). كذلك ورد: "فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ" (البقرة:198)، والمَشعر هو المزدلفة بعينها (الطَّبرسي، مجمع البيان). بمعنى أن كلَّ ما يتعلق بالشعائر كان يختص بعبادة الله في حج بيته الحَرام لا سواها.

مع العاطفة النبيلة تجاه عاشوراء، الذي امتد إلى عشرة أيام، في فترات لاحقة، وصار شِعاراً لغايات دول وسلاطين لا لقتيل كربلاء، نسأل كيف جُعل ما يؤدى في عاشوراء، مِن كلِّ عام، على أنه شعائر الله، وهذا ليس في القول الشائع الذائع على لسان الناس فحسب، وإنما يُثقف به في كتب وتعاليم، مِن هذا عنوان كتاب للشَّيخ آية الله محمد مهدي الآصفي "الشَّعائر والشِّعارات الحُسينية" (النَّجف 2009)، الذي يُلازم فيه بين الشعيرة والشعار، ويرفع الأخير ثأراً مفتوحاً.

سعى الآصفي في كتابه المذكور إلى تكريس ثقافة الثأر، ولم يجعل لقتل الإمام الشهيد تاريخاً محدداً ولا مسؤولية رجال بعينهم، إنما أطلق الحدث إلى مدى الدهرِ كله، والأجيال المتعاقبة قاطبةً عليها أن تمثل دور القاتل والمقتول، ليس بما يسمى السبايا أو التشبيه في العاشر مِن محرم، إنما على الحقيقة لا المجاز، حتى ظهور المهدي المنتظر. فمن السنة 61 هـ، ومروراً بلحظة الغياب (326 هـ)، وحتى زمننا وما بعده يجب ألا تخلو الدنيا من تقابل الحسين وقاتله إلى أبد الآبدين! مع علمنا أن مؤلف الكتاب ليس بالمعمم الثانوي، إنما يعد من الجيل الثاني في حزب طلب إقامة نظام إسلامي، حسب ما رُفع من شعار ينام في ظله المواطن ملء جفونه، وهو يقدم على أنه آية الله، بمعنى أنه بلغ درجة الاجتهاد، وأن له مقلدين.

كتب الآصفي: "الصراع قائم بين أنصار الحسين على امتداد التاريخ وخصومه. ولم تنقطع المقابلة والمواجهة بين جبهة الأنصار والخصوم منذ يوم عاشوراء، من سنة 61 هـ إلى اليوم البتة، وسوف يمتد ويستمر هذا الصراع حتى يظهر من يثأر لخط الحسين ودعوته آخر الزمان، وهو المهدي من آل محمد" (الشعائر والشعارات، ص 17).

هكذا، باسم الحسين يخلد الثأر فاعلاً في الصدور ضاخاً الكراهية في الرؤوس ضد المختلف، من له رأي مخالف تجاه مذهب أو دين يصنف عدواً للحسين. يرى المشتركون في المواكب، وبدافع حماسة العاطفة الجمعية، أن كل من لا يلبس السواد ولا يلطم صدره ويفلق هامته أنه مطلوب بدم الحسين، وعلى مدى الأزمان والأحقاب، كم يصير للحسين أعداء في هذه الدنيا.

مع أن الله خلق الناس مختلفين "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً" (المائدة: 48)، ولم يجعل لأحد، بمن فيهم الأنبياء، إجبار الناس على عقيدة: "أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (يونس: 99). فما هو وجه خلود المقابلة بين الحسين وقاتله، بلا تعيين زمن، إذا لم تكن لغايات أُخر غير الحسين نفسه.

بينما يقول الآصفي في ديمومة الثأر: "إن هذا الصِّراع يمتد من جيل إلى جيل، ومن أرض إلى أرض، وما أصدق الكلمة المعروفة: كل أرضٍ كربلاء وكل يوم عاشوراء" (ص 14). لا أدري متى يرى الآصفي الشروع بالعُمران، وهو رجل كان حزبياً وغض الطَّرف عن فكرة الانتظار ليُقيم دولة إسلامية، وعاش في ظل دولة كان يُجاهد لتحقيق مثلها بالعراق، فهل انتهى فيها هذا الصراع الأبدي؟! وقُرت العدالة المثالية؟! وهل المنتظر أو الموعود مهمته الثأر؟! فما هذا التزييف للعقل، وتشويه شخصية الحسين نفسها! وتحويله إلى إنسان سلبي لا هم له سوى الثأر لنفسه. لماذا يراد له أن يكون عنواناً للثأر! إنه دور يُنفذ باسمه، والمستفيد هو المبشر بهذه الثقافة. فدعوا الناس يبكونه لأنهم يحبونه، لا يحملهم على الثأر مثلما تحملهم عليه باسمه هذه الكائنات الحزبية.

أقول: هل نظر الآصفي، ومن يقول بخلود الثأر باسم الحسين، في جواب الإمام علي بن أبي طالب (اغتيل 40 هـ) للذين طالبوه بتطبيق حكم الله، وهو علي!: "كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نعم إِنه لا حكم إِلا للهِ، ولكن هؤلاءِ يقولون: لاَ إِمْرَةَ، فَإِنَّهُ لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ" (نهج البلاغة). فهل ميزَّ الآصفي بين الحُكم والإمرة أولاً؟! وهل أعطى الحق لمخالفه، مثلما قالها أبو الحسن: دولة "يَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ"، مِن دون عَده عدواً للحُسين؟!

إن الألم يعصر قلب الناظر في مظلومية الحسين، وهي تتحول إلى مظلومية للشيعة كافة، وهم يظلمون من قبل عقول تسعى لتحويلهم إلى جماعات تحمل شعارات على أنها شعائر، وقد زُيفت في أذهانهم قضية الحسين نفسها، إلى القبول بواقع رديء، يستغل عاطفتهم فيه أهل المصالح والمطامح.

أما الحسين، فحسب ما يتجلى في الأذهان مِن منزلته العظيمة، فإنه ليس طالب ثأرٍ، ولا راغب بشعائر تجلب المنافع للرؤساء باسمه. فهل ثأر جده من وحشي الحبشي قاتل عمه حمزة؟ (3 هـ)!

اتقوا الله في الحسين أولا، وفي الشيعة ثانياً، مما تثقفون به من خلود عاطفة الثأر، وإشغال العراقيين عن البناء وفضح المفسدين. أظن أن طلبة كربلاء في تظاهرتهم للتقليل من المبالغات بالمناسبات، هم الأقرب إلى الحسين، فهم يعيشون في دائرة ضريحه، ويدركون مصلحة الحسين بتفوقهم العلمي، لا بتركهم مقاعد الدراسة طوال محرم وصفر ومواليد وولادات الأئمة.

رشيد الخيُّون

باحث عراقي