عادل ثروت يؤرخ للعمل الفني المركب وفن التجهيز في الفراغ

قيم فنية تربوية وجمالية

يعرف د. عادل ثروت العمل الفني المركب أو العمل التجميعي بأنه "حالة من الانصهار بين مجالات الفن، حيث يتميز بإذابة تلك الفواصل والحدود الأكاديمية لتصنيف الفنون، كما يعبر عن التطور في تقنيات العمل الفني، وأيضا التغيير الكبير في موقف الفنان تجاه المجتمع الذي يعيش فيه، حيث أصبح أكثر التحاما بأحداث الحياة الجارية والمعبرة عن التقدم التكنولوجي والعلمي مما انعكس على انتاجه الفني".

وينطلق من هذا التعريف ليرصد في كتابه "العمل الفني المركب وفن التجهيز في الفراغ" الصادر عن هيئة قصور الثقافة أخيرا ليقدم تاريخ وتطور هذا الفن في الفن الغربي بعد ظهوره في أوروبا في العقد الثاني من القرن العشرين من خلال جماعة الدادية ثم الواقعية الجديدة ثم الحداثة وما بعد الحداثة، ثم يعرض لظهورها مصريا أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين ويقدم العديد من النماذج للفنانين المصريين.

يقول د. عادل ثروت: "كان للتغييرات الاجتماعية والسياسية التي حدثت في مطلع القرن العشرين أثر كبير في تكوين فكر وفلسفة فناني التجميع، حيث كون هؤلاء الفنانون أسلويا جديدا يناهض الفن التقليدي ويعبر عن الثورة والتمرد وتلك الثورة على الشكل الفني كان مواكبا لكل التطورات التي حدثت في شتى مجالات المعرفة في بداية القرن العشرين، وكان فنانو التجميع يريدون من وراء أعمالهم قدرا من الواقعية يلائم العصر الذي يعيشون فيه، هذه الواقعية اعتمدت على مفهوم توظيف الخامات جاهزة الصنع والخامات الموجودة، وعن طريق هذا الاستخدام للوسائط التعبيرية الجاهزة، أصبحت أعمالهم أكثر التصاقا بقضايا المجتمع، وأيضا اعتنق هؤلاء الفنانون مفهوم حرية الفنان والواقع الاجتماعي، وأن الفن فكر وليس أسلوبا، ومضمون الأعمال الفنية لا بد أن يكون منبثقا من الواقع الاجتماعي، حيث أكد هؤلاء الفنانون على العلاقة القائمة بين الفنان والواقع الاجتماعي، مما أضفى على أعمالهم قيما فنية تربوية بجانب قيمتها الجمالية، كما كانوا يكرهون محتوى الأعمال الوحودية السريالية، لذا لجأوا إلى النفايات بقدر أكبر من الوضوح والطابع المباشر، ولقد كانت أعمالهم يبمثابة الصدمة للكثيرين الذين اعتبروا أن أعمال هؤلاء الفنانين صفة للحياة الحضرية المعاصرة".

تناول د. ثروت العمل الفني التجميعي انطلاقا من الدادية وفن الواقعية الجديدة، والتداخل بين مصطلحات البوب والواقعية الجديدة من حيث كونهما اتجاهين فنيين يعبران عن مفهوم اجتماعي ويرتبطان بمرحلة تاريخية شكلتها ظروف مجتمع ما بعد بكل معطياته الثقافية والفلسفية في كل من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، ثم أوضح المنهج الفكري والفلسفي لاتجاهاتها وعلاقاتها بالمعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمجتمع ما بعد الحرب العالمية، ثم عرض لستة فنانين لفناني الاتجاهين كان لهم حضور فاعل على ساحة الحركة الحركة التشكيلية العالمية في فترتي الخمسينيات والستينيات، من بينهم حاسبر جونز، وروبرت روشنبرج وجورج سيجال.

أما فن التجهيز في الفراغ فهو يعتبر من الاتجاهات الفنية المعاصرة والتي ظهرت في مرحلة ما بعد الحداثة، وهو مصطلح فني حديث نسبيا ولم يستخدم إلا في العقد الأخير من القرن العشرين، وهو أحد الاتجاهات الفنية التي ظهرت كرد فعل لفكرة السوق التجارية للفن وأيضا الفكرة الموروثة الخاصة بالشكل ومفاهيمه، وقد اعتمد فنانو التجهيز على مفاهيم فنية وفلسفية خاصة، خضعت للتغيرات التي شملت حركة الفن التشكيلي منذ نهاية الستينيات، ويعرفه د. ثروت أنه "اتجاه فني تمتد جذوره التاريخية إلى إبداعات فنون الحضارات المختلفة، مثل المعابد، الكاتدرائيات، المساجد، إلا أن هدف المنظومة الفراغية في تلك العمائر يختلف تماما عن المفاهيم الخاصة بفن التجهيزات في الفن المعاصر، فالهدف كان منصبا بشكل أساسي على تدعيم وخدمة الطقوس الدينية وإشعاع الروح العقائدية بما يتفق مع شعائر تلك العبادات، فشكل المعبد أو الكنيسة والمسجد صمم بطريقة خاصة خاصة وتباينت التصميمات الداخلية والخارجية تبعا للطقس الديني".

وأكد د. ثروت أن فن التجهيز في الفراغ يتجاوز المركزية والثوابت الموروثة الخاصة بالقيم الجمالية التي نشأت في أوروبا، وسادت زمنا طويلا، ليعبر بطريقة خاصة عن موضوعات تتجاوز الحدود الإقليمية، بعد أن أصبح العالم قرية واحدة، ومشكلة أصبحت مشاكل كونية تؤثر في شتى أرجاء البلاد، فالتعبير عن الحروبي، الفقر، الجوع، المشكلات الاجتماعية، القمع والاضطهاد السياسي، الهويات والثقافات الإقليمية، كل هذه الموضوعات تم التعبير عنها دون التقيييد بالمفاهيم التشكيلية والجمالية التقليدية، بل بأسلوب جديد يجمع بين القديم والجديد، والبسيط والمعقد، والفكرة والأداء، وتغييييب الدلالات الثابتة في مقابل الدلالات المتعددة".

وظهر فن التجميع وفن التجهيز في الفراغ في الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة في العشر سنوات الأخيرة من القرن العشرين، وقد كان لارتباط الفنانين المصريين بكل ما هو متقدم وطليعي وإتاحة الفرصة لذواتهم الفاعلة أن تبدع في الحاضر من خلال أعمال فنية عن رؤاهم الفنية في استقراء الحاضر ونقد الماضي واستدعاء ومناقشة الثابت والمسلم به، والتعبير عن متغيرات الحياة اليومية للفرد في ضوء المتغيرات الاجتماعية لنهايات القرن العشرين وبدايات الألفية الثالثة دور فاعل في تشكيل وعي فني طليعي ومعاصر يواكب حركة الفن التشكيلي العالمي.

وقد استعرض د. عادل ثروت رؤى وأفكار وأعمال 11 فنانا منهم رمزي مصطفى وفرغلي عبدالحفيظ وفاروق وهبة وعادل ثروت وعماد أبوزيد وغيرهم، مؤكدا أن تناول أعمالهم لا يقلل من قدر جموع كبيرة أخرى في حركة الفن التشكيلي المعاصر كانت لهم إبداعاتهم ورؤاهم الفنية الجمالية والفلسفية في مجالات الرسم والتصوير والنحت والجرافيك.. إلخ.