ظاهرة خطيرة في الفكر العربي.. الآحادية

السلف أكثر انفاحاً من الخلف بمفهوم العصر

إذا كان من المعقول أن نقول إن ثمة أسباباً متعددة وراء هذه الظاهرة، إن كانت سياسية أم اجتماعية تاريخية، فإن التعليم في تقديري يقف على رأس سنام تلك الأسباب.. فهو اليوم بكافة مراحله يقدم لطلابه ما يطرحه من مسائل ومقولات ونظريات بشكل أُحادي صرف.السلف أكثر انفتاحا وتقبلا للاختلاف من الخلَف!

من يقرأ في الفكر العربي، في شتى فنونه، سيلحظ أمرا غاية في الغرابة، وهو أن السلف كانوا أكثر انفتاحا، وأكثر احتفاء بالمخالف ممن خلف بعدهم! وسيلحظ القارئ ذلك، ليس في مجال الفلسفة والكلام، بل في الفقه والتفسير، بل، وحتى في العقائد.

لا أقصد هنا أن السلف كانوا منفتحين على الاختلاف والمختلفين على طريقة العصر الحديث، فذلك ما لم يكن من المفكر فيه عندهم، وذلك أمر طبيعي، نسبة لاختلاف معطيات السياقات الزمانية والمكانية، لكني هنا في مجال مقارنة، والمقارنة هنا تفترض أن مسار الفكر العربي مسار تطوري تصاعدي، فما كان من غير المفكر فيه عند السلف، كان يفترض، وفق افتراض المسار التطوري التصاعدي، إن ما لم يكن من المفكر فيه عند السلف، سيكون، لا من الأشياء المفكر فيها فحسب، بل من قبيل ما يتداول يوميا على أساس أنه محض بدهي؛ لكن الذي حدث هو العكس، فما كان محسوبا على المفكر فيه عند السلف، تحول ليكون محسوبا على غير المفكر فيه عند الخلف، وتلك لعمري ظاهرة عجيبة وغريبة!

إننا لنجد آحاد السلف وهو يستقصي كافة الأقوال المخالفة في المسألة التي يعرض لها، بما فيها أشدها إيغالا، ثم يرجح أحدها، دون أن يغمط الأقوال الأخرى حقها؛ لم يحدث ذلك في مسائل الفقه فحسب، بل إنه حدث في مسائل العقيدة أيضا؛ وبعض تلك الخلافات المبثوثة في تراث السلف مما ليس في المستطاع إيراده اليوم، وإلا لانهالت على صاحبه أسواط التخوين، وربما التكفير!

نجد مثلا، عند إمام المفسرين الطبري استعراضا لاختلافات المفسرين تجاه آيات القرآن، سواء أكان تجاه معناها، أم تجاه أسباب نزولها، وفي بعضها تأويلات لا يستسيغها العقل السلفي المعاصر، على الرغم من أن الطبري يرويها عن الصحابة والتابعين.

بل إننا نجد فقيها عَلَما في السلفية، كابن القيم، لا يستنكف أن يفسح المجال في كتابه (تهذيب السنن) لكافة الآراء في المسائل الفقهية التي يعرض لها، حتى تلك التي تقف من مسألة، كمسألة صيام ستة من شوال، لا بكونها غير مستحبة فحسب، بل بكونها بدعة، ثم يرجح ما يراه من أنها من المندوب إليه، دون أن يتوقع غضبة مضرية من أهل زمانه تجاه إيراده لتلك الأقوال الموغلة في الاختلاف.

والسؤال هنا عن الأسباب التي تقف وراء سعة أفق السلف، مقارنة بضيقه عند الخلف؟

إذا كان من المعقول أن نقول إن ثمة أسبابا متعددة وراء ذلك، إن كانت سياسية أم اجتماعية تاريخية، فإن التعليم في تقديري يقف على رأس سنام تلك الأسباب. التعليم اليوم بكافة مراحله يقدم لطلابه ما يطرحه من مسائل ومقولات ونظريات بشكل أُحادي صرف؛ وإن هو استعرض آراء أخرى، فهو لا يستعرض منها إلا ما هو قريب من المقولات أو الآراء التي يقررها، أو قد يستعرض الآراء والاستنباطات الأخرى على أنها خطأ صرف، هذا إن لم يقرر بأنها ضلال مبين!

ومن ثم، فليس مستغربا أن ينشأ ناشئ الفتيان في هذا النوع من التعليم أحادي الرأي، حاد الرؤية، متشدد الطرح، يرى نفسه والخط الذي يسير عليه في أقصى يمين الحق، ومخالفوه في أقصى يسار الباطل. وهكذا، فإن أحدا لم يجن يوما عنبا من الشوك!

يوسف أبا الخيل

كاتب سعودي