ظاهرة العنف ضد الأطفال تستفحل في المجتمع التونسي

تزايد عدد 'الأطفال الكادحين'

أظهرت دراسة ميدانية حديثة أن "ظاهرة العنف ضد الأطفال في تونس تزايدت بشكل حاد مند ثورة يناير/كانون الثاني 2011 لتشمل أكثر من 90 بالمئة من الأطفال" نتيجة "الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية" التي يشهدها المجتمع و"استفحال حالة من التشنج العام"، فيما أطلقت الجمعية التونسية لحماية حقوق الطفل "خطة بيداغوجية" لمكافحة الظاهرة التي باتت تشغل المنظمات الناشطة في مجال حقوق الإنسان.

وكشفت الدراسة التي أجرتها وزارة التنمية والتعاون الدولي بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" أن أكثر من 90 بالمئة من أطفال تونس يتعرضون لأشكال متعددة من العنف منها العنف المعنوي والعنف الجسدي والعمل الإجباري والاستغلال الجنسي، على الرغم من وجود قوانين "تضمن حقوق الطفولة وتمنع ممارسة أي شكل من أشكال العنف ضدها".

ويرجع الأخصائيون الاجتماعيون تنامي العنف ضد الأطفال خلال السنوات الأربع الماضية" إلى "استفحال ظاهرة العنف في المجتمع التونسي بصفة عامة، نتيجة "حالة توتر اجتماعي ونفسي عامة" أججته الأزمة التي تتخبط فيها البلاد" والتي ألقت بتداعياتها السلبية على "طبيعة العلاقات" بما فيها العلاقات الأسرية.

واعتبر الناشط في مجال حماية حقوق الطفل زهير بن عمار أن "ظاهرة العنف ضد الأطفال ليست بالجديدة عن المجتمع غير أنها شهدت خلال السنوات الأربع الماضية تحولا نوعيا خطيرا من خلال استفحالها في مختلف الفئات وأيضا من خلال "نوعية العنف"، ملاحظا أن "هناك أنواع جديدة من العنف ضد الأطفال انتشرت خلال السنوات الأربع الماضية منها العنف الجسدي داخل الأسرة وإجبار الآلاف من الأطفال على العمل".

وأكد بن عمار أن المنظمة التونسية لحماية الطفولة لديها إحصائيات تفيد بأن العنف الأسري ضد الأطفال ارتفع خلال السنوات الأربع الماضية بنسبة 65 بالمئة، كما ارتفعت نسبة إجبار الأطفال على العمل في مهن وضيعة لا تضمن أية حقوق اقتصادية واجتماعية إلى 57 بالمئة وذلك نتيجة حالة التفقير التي تعرضت إليها الفئات الهشة في المجتمع، الأمر الذي دفعها إلى إجبار الأطفال على العمل من أجل توفير دخل إضافي وإن كان زهيدا".

وتقدر منظمة اليونيسيف عدد الأطفال الدين تم إجبارهم على الشغل بحوالي 16 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 10 و17 سنة.

ويمثل الانقطاع المبكر عن الدراسة أحد أهم أسباب انتشار "العمل القسري" للأطفال إذ ينقطع سنويا أكثر من 100 ألف تلميذ في بلد كثيرا ماراهن عن التعليم لتحديث المجتمع.

وينتمي 95 بالمئة من المنقطعين عن الدراسة إلى العائلات الفقيرة التي تقطن في الأحياء الشعبية والجهات الداخلية المحرومة، حيث تتراوح نسبة الفقر بين 30 بالمئة و50 بالمئة.

وفي غياب إحصائيات دقيقة تقدر وزارة الشؤون الاجتماعية عدد الأطفال "الكادحين" بحوالي 5 آلاف طفل غير أن الأخصائيين في مجال حماية الطفولة يقولون إن العدد يفوق 8 آلاف طفل موزعين على مختلف جهات البلاد من بينهم 3 آلاف طفل ينتشرون في تونس العاصمة والأحياء الشعبية المجاورة.

ويقول الباحث سمير الحاج علي "لاحظنا من خلال دراسة أجريناها في تونس العاصمة أن عدد "الأطفال الكادحين" ارتفع منذ الثورة بشكل واضح نتيجة حالة الاضطراب التي شهدها المجتمع والتي أثرت بصفة مباشرة على بعض الأسر التونسية".

وتقر وزارة المرأة والأسرة والطفولة بأن "العنف ضد الأطفال أصبح ظاهرة متفشية في المجتمع وتستوجب "خطة وطنية تشارك فيها مختلف الجهات المعنية بالطفولة لتشخيصها ومعالجتها معالجة جذرية".

وخلال عام 2014 أبلغ أكثر من 6 آلاف طفل الوزارة أنهم تعرضوا للعنف أي بمعدل 19 حالة يوميا، مقابل 5000 حالة سنة 2011 غير أن هده الأرقام لا تكشف حقيقة الواقع إذ أنها تتعلق بـ"الحالات التي تم الإبلاغ عنها فقط"، ولا تشمل آلاف الحالات "المسكوت عنها" إما تحت "سطوة الخوف" أو لأنها "تعتبر أمرا شائعا" مثل تعنيف الأبوين.

ووفق بيانات رسمية يمثل العنف المسلط على الأطفال من قبل الأب أو الأم حوالي 62 بالمئة في حين يمثل العنف المسلط على الأطفال من الشارع نسبة 14 فاصل 6 بالمئة من الحالات الأمر الذي يؤكد أن "العدوانية" احتدت في المجتمع بسبب "اضطرابات نفسية طرأت على شخصية التونسي خلال السنوات الأربع الماضية" مثلما يذهب إلى ذلك الأخصائيون الاجتماعيون والنفسيون.

وأكدت الدراسة أن عجز الأبوين عن الإحاطة بأبنائهم ورعايتهم يقف وراء حالات العنف المسلط على الأطفال بنسبة 29 بالمئة تليها حالات التقصير بنسبة 25 بالمئة ثم حالات تعريض الطفل للإهمال والتشرد بنسبة 16 بالمئة.

وتستأثر حالات الإهمال بنسبة 41 بالمئة من حالات التعنيف وتليها حالات العنف المعنوي والنفسي بنسبة 28 بالمئة وهو مؤشر على تفكك الروابط الأسرية وعلى تمزق النسيج الاجتماعي الذي قاد الأطر الاجتماعية وفي مقدمتها الأسرة غير قادرة على توفير الرعاية اللازمة للأبناء بفعل ما يقول الأخصائيون "حالة الإغراق في المشاغل اليومية".

وتقول منظمة حماية الطفولة أن تزايد العنف ضد الأطفال قاد إلى بروز ظاهرة الانتحار حيث سجلت المنظمة تزايد انتحار الأطفال.

وأظهر التقرير السنوي للمندوبية العامة لحماية الطفولة أن أكثر من 65 بالمئة من حالات العنف تمت ممارستها داخل الأسرة، حيث لعب الأب والأم الدور الرئيس في ممارسة العنف على الطفل.

وأبرز التقرير أن محافظة تونس تتصدر المرتبة الأولى من خلال تسجيل 500 حالة عنف تليها محافظة بن عروس بـ456 حالة ثم محافظة بنزرت بـ402 حالة.

غير أن ممارسة العنف ضد الأطفال تتباين حسب النوع الاجتماعي حيث تمثل الفتيات القاصرات الضحية الأولى لظاهرة بدأت تنخر المجتمع التونسي في ظل غياب أية سياسات واضحة تعتمد آليات ناجعة لحماية الأطفال.

وتؤكد الدراسة الميدانية التي أعدتها منظمة "اليونيسيف" أن نسبة 90 بالمئة من الأطفال المعنفين تحجب "وضعا مفزعا يعكس تمييزا صارخا بين النوع الاجتماعي باعتبار أن الفتيات القاصرات أكثر عرضة للعنف بنسبة 60 بالمئة مقابل 30 بالمئة من الذكور".

وتشير الأرقام الرسمية إلى تفشي "الاستغلال الجنسي للأطفال" حيث تعرض أكثر من 750 طفلا للاستغلال الجنسي عام 2015 مقابل 300 حالة عام 2010 أي قبل انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 .

وأطلقت الجمعية التونسية لحماية حقوق الطفل مشروعا بيداغوجيا يهدف إلى تكوين 60 متدربة بمختلف جهات البلاد في مجال مناهضة العنف الجنسي ضد الأطفال وحمايتهم.

واعترفت الجمعية بأن "المشروع" تم إطلاقه بناء على خلفية وجود مؤشرات خطيرة حول انتشار ظاهرة العنف الجنسي.

وإزاء استفحال الظاهرة في المجتمع أطلقت وزارة المرأة ما قالت إنها "استراتيجية" لمعالجة مشاكل الطفولة المتراكمة نتيجة أربع سنوات من "الإهمال" وذلك لمقاومة شتى أنواع العنف ضد الأطفال بما فيه الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي.

وترجع منظمات المجتمع المدني ظاهرة العنف ضد الأطفال إلى كونها "جزءا من ظاهرة العنف التي تصاعد منسوبها مند ثورة يناير 2011"، حيث أظهرت دراسة أعدها الاتحاد العام التونسي للشغل حول العنف أن "نسبة النساء المعنفات في تونس بلغت 50 بالمئة" وترتفع هده النسبة العامة إلى 77 بالمئة لدى الفئات الهشة والأمية التي تمثل فيها المرأة "قاع هرم الاستغلال".