ظاهرة 'العنف المجتمعي' في الاردن وظاهرة 'إساءة فهمه'!

بقلم: جواد البشيتي

تواضع المسؤولون الحكوميون والإعلاميون والكُتَّاب الصحافيون والأكاديميون، وغيرهم، على وصف ما نعاينه ونعانيه من ظواهر وأحداث عنفية في مجتمعنا (ونحن في هذا المصاب جزء من كُلٍّ عربي) بـ "العنف المجتمعي (المدني، الأهلي)"، لعلَّنا نطْمَئن، ولو قليلاً، إلى أنَّنا ما زلنا نَنْعُم بالنعمة التي زالت عن غيرنا مِمَّن وقعوا، أو أوقعوا أنفسهم، في حُفَر "العنف السياسي"، أو الإرهابي، أو الديني، أو الطائفي، أو العرقي.

ولقد بدت الحكومة الأردنية، هذه المرَّة، وعلى ما أوضح رئيسها سمير الرفاعي، في خلال لقاء له مع رؤساء الجامعات الحكومية، والتي كانت مسرحاً لكثير من أعمال "العنف المجتمعي (الطلاَّبي)"، جادة، حازمة، حاسمة، في سعيها إلى إيجاد "حلول جذرية" لهذه الظاهرة، التي نحرص على وصفها بأنَّها غريبة عن مجتمعنا.

وأحسب أنَّ رئيس الوزراء، الذي يعوِّل كثيراً على حلِّ "تشديد العقوبات الرادعة الزَّاجرة"، قد وضع يده على بعضٍ من أسباب تفشِّي واستفحال هذا "المرض المجتمعي الفتَّاك والقاتل" إذ تحدَّث عماَّ تتعرَّض له إدارات الجامعات من "ضغوط مجتمعية" للحيلولة بينها وبين تعريض مرتكبي (ومثيري) أعمال "العنف المجتمعي (والطلاَّبي)" إلى العقوبات التي يستحقُّون، أو إلى "العقوبات الرادعة"؛ لأنْ لا خير في عقوبة لا تردع (آخرين) عن ارتكاب الأعمال نفسها، أو أشباهها.

ولو كان لرئيس الوزراء أن يحرِّر كلامه في الأمر نفسه من قيود "الدبلوماسية المجتمعية" لأوْضَح أنَّ ما يشبه "الحصانة العشائرية" التي يتمتَّع بها مرتكبو تلك الأعمال، والتي تَظْهَر وتتأكَّد من خلال "الواسطة"، وإنْ ليس من خلالها وحدها، هي أحد أهم الأسباب لتفشي واستفحال هذا المرض المجتمعي، فلو شعر كل من يهُمُّ بارتكاب عمل من هذه الأعمال بأنَّه ما عاد يتمتَّع بمثل هذه الحصانة لأصبح مجتمعناً محصَّناً أكثر ضدَّ ظاهرة "العنف المجتمعي" التي ما زال بَحْثُنا فيها أقرب إلى البحث في رائحة الشيء منه إلى البحث في ذات الشيء، وكأنَّ لنا مصلحة في المحافظة على الأسباب التي تُنْتِج، وتعيد إنتاج، هذه الظاهرة.

إنَّ ظواهر من قبيل الشجار والعراك والتضارب والسبِّ والشتم.. والقتل ليست بالظواهر التي يخلو منها أي مجتمع ولو كان في الدرجة العليا من سلَّم التطوُّر الحضاري والديمقراطي والإنساني، ومنتمياً فعلاً، لا قولاً، إلى القرن الحادي والعشرين بكل ما يعنيه هذا الانتماء، وهذا القرن؛ لكنَّ المُقْلِق والمخيف عندنا هو هذا التفاعل للحادث الفردي، فكثيراً ما رأيْنا إشكالاً أو نزاعاً بين فردين، تافهاً صغيراً في أسبابه ودوافعه وغاياته، يتحوَّل إلى مواجهة بين جماعتين، أو منطقتين، يترتَّب عليها من العواقب ما يتسبَّب بمدِّ هذه المواجهة بمزيد من الوقود.

إنَّه لسؤال فاسد، عديم الأهمية، أنْ نسأل "لماذا تشاجر عمرو وزيد؟"، فالسؤال الذي يتحدَّانا جميعاً أن نجيبه، وأنْ نجيبه بما يسمح لنا بمعالجة المرض، إنَّما هو "لماذا يتحوَّل هذا الشجار الفردي إلى نزاع ومواجهة بين جماعتين؟".

التعصُّب بكل صوره وأشكاله مذموم وقبيح؛ وإنَّ أحداً منَّا لا يجرؤ، في مواقفه المُعْلَنة على الأقل، على امتداحه والحضَّ عليه. حتى المتعصِّبون أنفسهم يلعنونه "نهاراً"، ليسبِّحوا بحمده "ليلاً"، فكثيرٌ من أبناء مجتمعنا يرتدُّون، في الأزمات التي فيها تُخْتَبَر على خير وجه "قوى المواطَنة" فينا، إلى هويات لا مكان لها في الأمم الحيَّة والمتحضِّرة والديمقراطية إلاَّ "المتاحف".

ومن تجربة شخصية أقول إنَّ كثيراً من مثقَّفينا "القوميين" و"العلمانيين" و"اليساريين" و"الديمقراطيين" و"الليبراليين".. تراهم، في "الأزمات الاختبارية"، وقد عادوا إلى عبادة "الأوثان" نفسها، وكأنَّ "وعيهم الجديد"، الذي يتغنُّون به في الأوقات العادية، لا يعدو كونه قشرة رقيقة طرية لا تقوى على الصمود طويلاً.

وإيَّاكم أنْ تظنُّوا أنَّ "ثقافة التعصُّب"، التي هي العدو اللدود للمواطَنة عندنا، لا تَضْرِب جذورها عميقاً في تربة المصالح الفئوية الضيِّقة، فذوو هذه المصالح هم الذين يتوفَّرون على غرسها ونشرها وبثِّها وتغذيتها وإنْ حَمَلَتْهُم بعض عواقبها ونتائجها، التي بدت لهم ريحاً تجري في غير ما تشتهي سفينتهم، على دقِّ ناقوس الخطر، ولَبْس لبوس المناوئين لها، فَهُمْ كَمَن له مصلحة في المرض نفسه على أنْ يخلو من بعض أعراضه!

إنَّهم يَعْلَمون أنَّ هذا التعصُّب المذموم هو الذي يملأ بالأصوات صناديق الاقتراع في نظام انتخابي أُريِد له سياسياً أنْ يكون مقبرة للحياة السياسية الحزبية الحقيقية، وللتمثيل السياسي للشعب، وسبباً دائماً للإبقاء على "الفرد" مِحْوَراً لحياتنا السياسية، فالفرد مهما عظم شأنه، وإنْ تكتَّل مع غيره برلمانياً، يظلُّ عاجزاً عن التمثيل السياسي للشعب.

وإنَّهم يريدون الحصول من الظاهرة نفسها على "خيرها" مع تخليصها من "شرِّها" في الوقت نفسه؛ فهذا الذي يناصبونه العداء لكونه يكمن في أساس ظاهرة "العنف المجتمعي" يصادقونه، ويطلبون مزيداً منه، في الانتخابات والسياسة.

لولا هذا التعصُّب المذموم، والذي يجعل، أو يكاد يجعل، النزاع بين عمرو وزيد، سبباً لإشعال فتيل حرب شرقية هي "حرب الكُلِّ ضدَّ الكُلِّ"، لخلا البرلمان من كثير من البرلمانيين، ولغادر حياتنا العامة إلى غير رجعة كثير من القادة والزعماء الذين لا "سلعة" يتَّجرون بها، ويعود عليهم الاتِّجار بها بربح جزيل، إلاَّ هذا التعصُّب المُعْمي لأبصار وبصائر العامَّة من الناس، والذين يكفي أن يستبد بفكرهم وشعورهم حتى يصبحوا أعداء لأنفسهم ومصالحهم الحقيقية (لا الوهمية).

في مناخ الفقر والبطالة وتتالي وتعاظم الهزائم القومية، واشتداد معاناة شبابنا من البطالة السياسية، لا بدَّ للصغير من كل هوية وانتماء من أن يَكْبُر ويَعْظُم شأناً، ولا بدَّ للمسيخ من "الرجولة" و"البطولة" من أن يحلَّ محل الطبيعي والحقيقي والأصيل منهما، فلمَّا سُئِلَت المرأة المتشبِّهة بالرِّجال عن السبب أصابت كبد الحقيقة إذ أجابت قائلةً: "لقلة الرجولة في الرجال".

لقد حيل بين مجتمعنا وبين "البطولة العامة" من قومية وديمقراطية، فاستبدَّ بعقول وسلوك شبابنا هذا المسيخ من مفاهيم "البطولة" و"الرُّجولة"، فـ "البطل"، أو "الرَّجُل"، ما عاد ذاك الذي يُصارِع، ويعرف كيف يصارع، من أجل القضايا والمصالح العامة، أو ضدَّ عدوُّنا القومي الأوَّل، وإنَّما هذا الذي تَسْخُن رأسه سريعاً، فيطول لسانه، ثمَّ تطول يده، مقيماً الدليل على أنَّه لا يعرف من معنى "الكرامة" إلاَّ ما يَصْلُح لجعله أكثر تفريطاً في كرامته القومية والإنسانية، فكلَّما تحدَّتنا إسرائيل أنْ ننتصر لكرامتنا القومية انتصرنا أكثر للكرامة الجاهلية التي ما زالت في نفوسنا حيَّة قوية، تميت فينا كل ما هو جدير بالحياة، وتُضْعِف كل ما ينبغي لنا تقويته.

جواد البشيتي