ظاهرة استحلاب الفقهاء (3)

بقلم: محمد الشيوخ

نتفهم جيدا غيرة طلبة العلم على العقيدة وحفظة الشريعة، وهي غيرة في محلها يشترك معهم فيها عوام الناس ولكن ما لا يمكن استساغته بأي شكل من الأشكال استماتة بعضهم في الدفاع عن سلوك بعض الفقهاء المسيء للإنسان والعقيدة عمدا أو سذاجة.
دفاعهم عن عموم سلوك الفقهاء دون تفريق بين السلوك الضار والنافع ينم عن سطحية في الفهم وخلط فاضح للأمور وكلا الفعلين مستهجنين. قد نعذر العوام لعدم قدرتهم على التمييز بين السلوكين ولكن لا عذر لطالب العلم الذي قد يصبح يوما ما في موقع الفقيه، وهنا تتضاعف المصيبة بصورة أشد وأكبر حينما يكون في الموقع الجديد وتلازمه تلك السطحية.
الطلبة الذين اغاضهم تصنيفنا أو لنقل بشكل أدق نقدنا للسلوك السلبي لبعض الفقهاء في التعاطي مع الفتوى ذات الصلة بالجانب السياسي أو الاجتماعي وشرقوا وغربوا بعيدا معتمدين على مصدر القيل والقال دون أن يكلفوا أنفسهم عناء قراءة المقال، وهو ذات المطب الذي يقع فيه الدهماء عادة، هذا الصنف من الطلبة لا أرى من المناسب مناقشتهم فضلا عن محاولة توضيح الواضحات لهم لأن ذلك يعد مضيعة للوقت وهدرا للجهد.
ولأريح من يمكن حمل نقده على محمل الخير عناء العودة للوراء أوجز له فحوى المقالين السابقين في عبارة مختصرة ومختزلة: الكاتب لم ينتقد سلوك الفقهاء ككل وإنما انتقد السلوك السيئ لبعضهم في التعامل مع الفتوى، وذلك بغض النظر عن علميتهم وتقواهم وورعهم وهي شؤون لا تعنينا هنا، وكذلك الأطراف التي تقوم بعملية الاستحلاب وقد بينا أيضا مقصدنا من عملية الاستحلاب وكيفيتها وخطورتها ووجه الشبه بين الفقيه المستحلب والآخر الحذر، والأخير - بحسب رأينا- هو النموذج الأمثل والأكثر فهما للدين وخدمة للناس ولمقاصد الشريعة من بقية أصناف الفقهاء السابقين.
البعض وافقنا الرأي والفكرة جملة وتفصيلا ، وآخرون اختلفوا معنا واعترضوا علينا بالمطلق، وهذا حق مشروع، وصنف ثالث ساءته بعض ألفاظ المقالة وتعبيراتها كلفظ "الاستحلاب" تحديدا وقسم رابع أمتعض وعتب علينا لاستخدامنا تشبيهات مسيئة قد لا تتناسب وسلوك ومكانة الفقهاء، بحسب وجهة نظرهم، وصنف خامس طالبنا بالكف عن مثل هذه المقالات بدعوى أنها تنال من منزلة الفقهاء وتجرؤ الآخرين على نقدهم والتطاول عليهم!
للصنف الخامس أقول: إذا كان لديكم رأي يناقض رأينا فلكم كامل الحق في إبدائه وطرحه لمناقشته ودونكم التهريج بالدعوة للكف عن إبداء آراءنا وإذا كان تشخيصكم يقودكم إلى أن عملية النقد تسيء وتزلزل من مقام الفقهاء فإننا نرى خلاف ذلك تماما.
حين المناقشة مع البعض لم نطالبهم بالعودة للمقالين السابقين أو حتى إعادة النظر في سياق ما وردت فيهما الألفاظ والتشبيهات، ولم أذكرهم بأسماء وكنماذج لكبار فقهاء البلاط الأموي والعباسي أساءوا استخدام العلم والفتوى والتقوى أيضا أو من وصفهم الله بالحمير والكلاب لأني تجنبت ذكر الأسماء مطلقا، كما أنني لم أكن بحاجة لان أوضح الواضحات من المسلمات البديهية من قبيل أن ليس كل من ادعى الفقه بفقيه وأن هناك عشرات الفقهاء أن لم نقل مئات الفقهاء كبلعم وآخرون كشريح، وإنما اكتفيت بمطالبة من أعترض على الألفاظ بإعطائي ألفاظ وتوصيفات بديلة عن الألفاظ المستخدمة علها تفي بالغرض.
أحدهم أنبرى قائلا في صورة رجاء: لو أنك استخدمت لفظ "استدراج" لكان أهون من لفظ "استحلاب"، وحين طالبناه بوصف أو تشبيه أهون من وصفنا وتشبيهاتنا السابقة للسلوك السيئ للفقيه الذي يضر أقرانه أو عامة الناس عبر فتاواه؟! صمت قليلا قائلا: أظن أن وصف سلوك بعضهم «وهو يبتسم طبعا» بسلوك البقر أهون من سلوك الحيوانات السابقة الذكر التي ورد ذكرها في القرآن بسبب إساءة استخدام العلم!
على أي حال، الصورة النمطية السائدة للفقيه هي التي تحدد كيفية التعاطي معه ومع النقد الموجه إلى سلوكه الخاطئ أيضا. وأظن أن عملية الدفاع عن عموم سلوك الفقهاء من قبل البعض راجعة في الأساس إلى تلك الصورة النمطية الخاطئة عن الفقيه والتي – مع شديد الأسف - كرسها هو وذلك لأسباب لا داعي للتوقف عندها هنا.
أظن أن الصورة التبادلية المثالية بين الفقيه وعامة الناس هي العلاقة القائمة على الحوار والمناقشة والأخذ والعطاء خصوصا في القضايا ذات الصلة بالجانب الثقافي والاجتماعي والسياسي، وليس العلاقة القائمة على الإذعان والتلقي. وهناك نماذج من الناس كما أن هناك نماذج من الفقهاء يكرسون هذه الحالة بينهم وبين مقلديهم، وفي المقابل، وكما قلنا سابقا، هنالك من الفقهاء يكرسون الصورة الثانية من العلاقة التبادلية أي العلاقة القائمة على الإذعان والطاعة العمياء التي لا تفرز إلا الإرهاصات السيئة غالبا.
قبل سقوط صدام حسين وقبل استشهاد آية الله السيد محمد صادق الصدر (والد مقتدى) التقينا وبعض الزملاء بالشهيد الصدر ودار بيننا نقاش ساخن حول الأوضاع الاجتماعية والسياسية والدينية في العراق وغيرها من البلاد وفيما يخص العلاقة التبادلية بين الفقهاء وبعضهم البعض اقترحنا عليه اقتراحا، بصفته كان يرى نفسه المرجع المتصدي في ذلك الوقت، وكان الاقتراح دعوة بأن يتصدى لتأسيس مجلس للمرجعية تضم أغلب مراجع النجف ومن بينهم السيستاني والنجفي والغروي والبروجردي والحكيم وغيرهم، ويكون الدافع لتأسيس هذا المجلس دافعا فقهيا محضا، وذلك نظرا لحساسية الأجواء الأمنية والسياسية المرعبة في عهد صدام. رحب بمقترحنا وأثنى عليه قائلا "لو أن هذا المجلس يتأسس لكنت أول الداخلين فيه وآخر الخارجين منه ولكني لا أدعوا له". قلنا له المعضلة لا تكمن في عملية الدخول والخروج وإنما تكمن في عملية الدعوة والتبني والتصدي لهذه الخطوة وهي العملية الأصعب!!.
الشاهد من هذا المثال، وبغض النظر عن ما دار بيننا وغيره من الفقهاء اللذين زرناهم، نود التأكيد على نقطة أساسية وهي أن العلاقة بين عامة الناس والفقهاء ينبغي أن تكون قائمة على التفاعل الايجابي القائم على المفاهمة والمناقشة وليس الانفعال أو التلقي السلبيين، وخصوصا في ما يتعلق بالآراء أو الفتاوى ذات الصلة بأبعاد الحياة الواسعة المتجاوزة لحدود الفقه والمسائل التقليدية المعتادة.
بقدر ما نجل ونقدر ونحترم الفقهاء ونرفض الإساءة لهم ندعو الآخرين للتعاطي معهم بإيجابية وبناء علاقة تبادلية قوامها الوعي والتشاور والتدارس والحوار والتصويب المتبادل خصوصا في القضايا العامة. ونمقت بشدة النظرة السائدة التي تكرس العلاقة السلبية القائمة على التلقي والاستجابة العمياء بحجة أن الفقيه أعلم وأفهم من الآخرين في كل شيء وكلامه صواب دائما ولا ينبغي أن يرد رأيه حتى ولو كان رأيا شخصيا ومن ثم النظر إليه وكأنه ذات لا تمس وأن كل آرائه وفتاواه غير قابلة للمناقشة والنقد، وخصوصا ألآراء السياسية والاجتماعية وكذلك الأفكار والتصورات المرتبطة بنهضة الأمة والتغيير والتطوير والتنمية وغيرها من المسائل التي يفترض أن تكون في محل اهتمام الفقيه.
من بين الفقهاء هناك صنف ربوا تلامذتهم على الحوار والنقاش وكانوا يدعوهم لتبني الرأي المختلف عن رأيهم، ما يعزز العلاقة التبادلية القائمة على تعميق الوعي والتعاطي الايجابي مع الرأي والرأي الآخر، وحين يجدون متلقيا سلبيا يدفعونه للإفصاح عن رأيه. في حين هنالك فقهاء يكرسون العلاقة السلبية القائمة على الاستجابة والطاعة العمياء المطلقة والنظر إلى الفقيه وكأنه الناطق الرسمي عن الله في كل صغيرة وكبيرة والراد عليه راد على الله حتى وإن كان الاعتراض في محله وموقعه.
وفي هذا السياق تحديدا أعرف بعض الفقهاء بعينهم اتخذوا مواقف معينة ضد شخصيات دينية بناء على معطيات وعمليات تشويه وحين تبين لهم خلاف تلك المعطيات تراجعوا عن مواقفهم الأولى، ولا داعي للتفصيل..!!
الخلط الذي يحدث في مفهوم الاحترام للمرجعية هو الذي يجعل العلاقة التبادلية علاقة سلبية وهو الذي يكرس حالة التلقي السلبي، وهو الذي يجعل من الفتاوى المستحلبة ذات تأثير واسع وسلبي في وسط الأمة.
إذا كانت هنالك ثمة صورة يفترض أن تكون محل اقتداء بالنسبة للفقهاء في دفع جمهورهم وتلامذتهم للعلاقة الايجابية التفاعلية فإننا أمام فعل النبي الذي كان يدفع الناس دفعا إيجابيا للتعامل معه بدون رهبة وخوف ووجل بقوله لهم ما مضمونه: أنا عبد من عبيد الله مثلكم أو إنما أنا ابن أمة كانت تأكل القديد كما هو حال أمهاتكم.
إذا استطاع الفقهاء أن يكرسوا في الناس هذه الصورة من التعاطي معهم فأن الفتاوى أو الآراء الضارة التي تم استحلابها من بعضهم لن تكون ذات جدوى ولن تستخدم كسلاح تسقيط لهذا الشخص وذاك التيار وتلك الجهة، إما إذا ظل الوضع على حاله وكرس الفقيه وما دونه الصورة النمطية وأعانهم بعض المثقفين على ذلك فان الفتاوى المستحلبة ستشكل خطورة بالغة. وإذا كان الأمر كذلك فعلينا أن ندعو الله «كما فعل البعض» لأن يأخذ بعض الفقهاء إلى جواره كي لا تسلط علينا فتاواهم المستحلبة وتكون معول هدم إضافي في المجتمع الذي يتطلع فيه المصلحون إلى البناء والأعمار والاستقرار والتقدم. محمد الشيوخ
باحث سعودي M_shayook@hotmail.com