طقوس طرد الارواح الشريرة لعلاج المرضى في روسيا!

سيرغيف بوساد (روسيا) - من كاترين لافرنتييفا
دور متزايد لرجال الدين في روسيا

وسط حشود السياح الذين تجمعوا امام دير الثالوث الاقدس في سيرغيف بوساد يتأملون قببه المذهبة، تقف مجموعة صغيرة متراصة من الاشخاص بوجوه يائسة ومترقبة، ينتظرون بصبر طقوس طرد الشياطين التي تحمل في نظرهم الامل الاخير في استعادة الصحة وخلاص نفوسهم.
تلك التقاليد التي تعود جذورها الى القرون الوسطى لم تكن تلقى استحسانا ابان الحقبة السوفييتية، غير ان الناس باتوا الان يتهافتون بالمئات الى الدير الواقع على مسافة 60 كلم شمال موسكو. وغالبا ما ياتون من اماكن نائية، يدفعهم الى ذلك اليأس ازاء مرض ما اعتبره الطب مستعصيا، مقتنعين بان الشيطان هو الذي انزل بهم هذه المصيبة.
تقول مارينا (32 عاما)، وهي تحدق بقلق بابنها الواقف صامتا الى جانبها "صحيح اننا نشهد تحسنا كبيرا، غير ان مدة هذا التحسن تتوقف علينا".
واوضح اشخاص من الذين اعتادوا المجيء الى الدير ان على المرضى الذين يعانون من مشاكل عقلية منسوبة الى الشيطان او الارواح الشريرة، ان يحضروا طقوسا تستمر ثلاث ساعات ولمدة ثلاثة ايام متتالية، من اجل الحصول على نتائج ملموسة.
قرب المذبح تقف اعداد من النساء والاطفال بعيون قلقة متوسلة، يصطحبهم اصدقاء يحملون المرضى ويرغمونهم احيانا على التقدم.
وفي نهاية عظة حول الخطايا المميتة، تتخذ الطقوس الجارية بشكل منتظم تماما منعطفا مفاجئا لتقترب اكثر الى افلام الرعب. فينبعث انين أليم وعويل مروع وزمجرة اشبه بنخير حيوانات مفترسة، فتغطي التراتيل الدينية. ويجثو المصلون ارضا وقد سيطر الخوف على نفوسهم فيجهشون بالبكاء ويغمى على البعض من شدة الحر.
وسط هذه الاجواء الكابوسية، يقف الارشمندريت غيرمان تشيسنوكوف، الذي يمارس طقوس طرد الارواح الشريرة منذ ثلاثين عاما، محتفظا برباطة جأشه ووقاره. ولا يرتبك البتة حين تفلت فتاة من بين يديه وهي تصيح باعلى صوتها، ساعية الى اقتلاع صليب علق على صدره.
يقول الكاهن بصوت رقيق، وعلى شفتيه ابتسامة طفيفة "جميعنا متعجرف وخمول، ولا نريد ان نطيع الله. لذلك تتملكنا الشياطين وتعذبنا".
ويرى الكاهن ان طقوسه لا تتعارض مع الطب التقليدي.
واوضح ان "الاطباء يعالجون امراض الجسد، في حين تعتني الكنيسة بامراض الروح، مثل انفصام الشخصية والصرع والاكتئاب والهلوسة".
واضاف "احيانا نرسل الناس مجددا الى الاطباء التقليديين، واحيانا يرسلون لنا مريضا ما".
والواقع ان مركز الطب النفسي في اكاديمية العلوم الروسية استدعاه حقا، غير ان اطباء نفسيين آخرين ينتقدون هذه الطقوس ويرون فيها "عودة الى القرون الوسطى".
ويعتقد يوري سافنكو من جمعية الاطباء النفسيين المستقلين "انها نوع من العلاج النفسي، وفي بعض حالات العصاب او الهستيريا، فهي تفيد مثل اي وسيلة اخرى، انما فقط بالنسبة للمؤمنين الذين يتصرفون بما يتفق مع قناعاتهم الراسخة".
لكنه حذر من انه "في حالات الذهان الخطيرة، مثل انفصام الشخصية او الامراض العصابية الاكتئابية، فانها لا تاتي بنتيجة، بل قد تكون مضرة، فتأخر اللجوء الى علاج طبي مناسب".
غير ان التمييز يتعذر على المشاركين في الطقوس، وقد سيطر عليهم التأثر.
تقول اولغا، وهي مسؤولة ادارية في السادسة والعشرين، جاءت بدافع الفضول "كنت اعتقد ان كل هذه القصص الغامضة هي من نسج الخيال الشعبي، غير انني الان اظن ان الامر ليس على هذا النحو، لكنني ما زلت اشتبه بانه اقرب الى الهستيريا الجماعية".
وتضيف "لا يسعني ان ابرر لماذا يبدأ شخص ما بالصراخ حين يرى صليبا. يخيل لي ان ذلك قد يكون من فعل روح شريرة".