طعنات تركية قطرية لقلب العروبة النابض!

بقلم: غسان يوسف

قد يستغرب البعض رد الفعل السوري الهادئ على انعقاد مؤتمر المعارضة السورية في مدينة أنطاليا في تركيا وقد يستغرب البعض أيضاً كيف أن القيادة السورية تعاملت مع تصريحات المسؤولين الأتراك منذ بداية الأحداث بهدوء تام على الرغم من التصريحات النارية لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته أحمد داوود أوغلو.

البعض يرجع الأمر إلى سببين. الأول، إن سوريا تنتظر نتائج الانتخابات التركية في الثاني عشر من الشهر الجاري وبالتالي لا تريد أن تعطي أردوغان ورقة "سورية" رابحة يستطيع من خلالها أن يوهم ناخبيه الإسلاميين أن سوريا تحارب التيار الإسلامي وهو ما حاول استغلاله من خلال تشبيه ما يحصل في سوريا حاليا بما حدث في الثمانينات في حماة! في حين أن ما وقع في حماة كان نتيجة ما قامت المجموعات الإرهابية من تفجير وقتل للناس على الهوية تجربة "الطليعة المقاتلة" التي قاتلت النظام مقدمة نفسها آنذاك كجناح عسكري لجماعة الإخوان المسلمين قبل أن يلفظها الإخوان أنفسهم ويتبرؤوا منها؟ ربما. وهو ما لم تنكره جماعة الإخوان المسلمين نفسها! لا بل إن أردوغان ذهب إلى أبعد من ذلك ليقارن الوضع الحالي باستخدام صدام حسين الأسلحة الكيمياوية في حلبجة! مقللا من أهمية تعرض الجيش السوري والشرطة والقوى الأمنية لكمائن عصابات مسلحة حيث تعمد التقليل من أعداد الجيش الذين يتعرضون يوميا لهجوم المسلحين متناسيا أن حكومته هي من تقصف مواقع الأكراد في شمال العراق بالطائرات في حين تسعى سوريا لحل مشكلة الأكراد ودمجهم في الوطن!

وبحسب مصادر مطلعة، كانت القيادة السورية تطلع الجارة تركيا على الأوضاع في سوريا لكن دون جدوى وهذا ما يناقض ما وصلت إليه العلاقات السورية التركية من تحسن قبل بداية الأحداث!

أما السبب الثاني، فيعود إلى أن سوريا تنتظر لتخرج من أزمتها وعندها سيكون لكل حادث حديث حيث سيتم حينها الفرز بين الصديق الصدوق والصديق الذي يترك صديقه لأول هزة يتعرض لها بعد أن كانت هذه العلاقات توصف بالإستراتيجية على الصعيد السياسي. أما على الصعيد الشخصي فكانت العلاقة بين الأسد وأردوغان توصف بالعائلية ومن ثم لتصبح العلاقات السورية التركية في أحسن حال وتلغى تأشيرة الخروج ويقام مجلس أعلى للعلاقات السورية التركية على المستوى الاقتصادي في حين دخل الرئيس الأسد في وساطة مع أرمينيا لتبييض وجه تركيا في العالم وهي التي تتحمل وزر مجازر الأرمن - الأبشع في التاريخ - لا بل استطاع الرئيس الأسد أن يُدخل تركيا إلى كل الوطن العربي بعد أن كانت هذه العلاقات تصطدم بالصخرة السورية. فعدا عن كونها في نظر العرب وريثة الاحتلال العثماني، هي اليوم تحتل أراض سورية (لواء الاسكندرونة) أي أنها في نظر العرب محتلة لأراضي عربية. لكن مسألة صراع الوجود مع إسرائيل جعل سوريا تعض على الجراح وتطوي صفحة اللواء إلى ما شاء الله ما فتح شهية أردوغان ليكون السلطان العثماني الجديد ولينقلب على سوريا في أول فرصة

وهنا يصح التذكير بأن الرئيس بشار الأسد كان هو من أصر على أن تلعب تركيا دور الوسيط في المحادثات غير المباشرة مع إسرائيل على الرغم من المحاولات الإسرائيلية الكثيرة لإبعاد تركيا! أما اليوم فتسرب الاستخبارات الإسرائيلية أن ما تشهده سوريا جاء نتيجة لصفقة بين رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والقيادة العالمية للإخوان المسلمين في مصر، التي أعطت الضوء الأخضر لإخوان سوريا بأن يلقوا بثقلهم في المعركة ضد النظام، وهو ما فعلوه في منطقة شمال غرب سوريا أيضا، وبشكل خاص منطقة جسر الشغور وجبل الزاوية حيث يتمتعون بنفوذ تاريخي قوي يوازي نفوذهم في حماة.

والسؤال ماذا لو فعلت سوريا مع المعارضة التركية وخصوصا الكردية ممثلة بحزب العمال الكردستاني ما فعلته تركيا في أنطاليا وعقدت مؤتمرا في طرطوس أو اللاذقية أو دعمته بالمال والسلاح؟ هل كان أردوغان وطاقمه سيسكتون؟ لكن الحكمة السورية وكما هو معهود "تمهل ولا تهمل!"

ما قلناه عن تركيا ربما ينطبق على قطر باعتبارها الدولة العربية التي كانت الأكثر قربا من سوريا حيث حلت هذه الـ "قطر" إلى جانب سوريا وإيران في دعم المقاومة في كل من لبنان وفلسطين وأخذت مكان السعودية في إنجاز اتفاق الدوحة الخاص بالأزمة الحكومية في لبنان والكل يعرف أنه لولا الموافقة والتشجيع من سوريا لما حظيت قطر بما حظيت وصار أمير قطر ضيفا مرحبا به في كل وقت وهو الذي يملك من القصور في سوريا أكثر ما يملك في قطر!

أما فرنسا الطامحة فيبدو أن ما فعلته في ليبيا فتح شهيتها كثيرا بعد حصولها على دعم غربي بشأن استصدار قرار من مجلس الأمن لا بل يبدو أن أحلام الاستعمار والصليبية بدأت تدغدغ رأس ساركوزي فحرك أوروبا كلها ضد سوريا ليكون الأشد عداءً لسوريا وهو الذي حصل على ما أراد في لبنان من خلال دعم سوري واضح إضافة إلى بعض الأمور الكثيرة التي حصلت عليها فرنسا في سوريا سواء في شركات النفط أو من ناحية الخبراء أو مشاريع الاتحاد الأوروبي التي تهيمن عليه كل من فرنسا وألمانيا ليكون موقفه أشد من موقف الولايات المتحدة وحتى ألمانيا نفسها.

هنا يصح القول وللأسف إن قدر سورية هو الطعن بها من قبل أصدقائها!

غسان يوسف

كاتب سوري

gh-yosef@scs-net.org