طعم الانتصار المر في أفغانستان

من غير شعور بالذنب، تغادر الولايات المتحدة موقع الجريمة بعد أن ضمنت أن الثمن الذي قدمته لحركة طالبان سيكون كفيلا بإسكات الحركة التي ستعلن عن انتصارها على الولايات المتحدة وعلى الشعب الأفغاني معا.


حرب عبثية بتكلفة خرافية وإنجازات قليلة هشة


الغباء والخبث يختلطان ليصنعا سياسة اميركية شريرة ومغرورة


الغزو الأميركي أفسد شعبا نزيها وطاهرا ويتجنب "الحرام"

أكانت الولايات المتحدة في حاجة إلى حرب تعرف أنها ستخرج منها مهزومة؟ 
الحسابات الأميركية لا يمكن معرفتها بشكل دقيق حتى بعد أن يتم الكشف عن الوثائق السرية المتعلقة بها بعد زمن طويل. 
لم تكن الولايات المتحدة مضطرة لغزو أفغانستان عام 2001. لكن فكرة شريرة ظلت تضرب العقل السياسي الأميركي تتعلق بالرد على غزوة البرجين بنيويورك. غزوة مقابل غزوة. هكذا جرت القوة العظمى جيوشها لتسحق طالبان وهي حركة دينية شابة متشددة أقامت على الخرائب نظاما سياسيا متخلفا عاجز عن الاتصال بالعالم الحديث أو فهمه. 
عشرون سنة مرت على ذلك الحدث الكارثي ولم تحسم الولايات المتحدة والدول الاربعون المتحالفة معها الامر لصالحها. أقامت الولايات المتحدة حكومة ضعيفة في كابول ليس من المستبعد أن تنهار ما ان تتم القوات الأميركية انسحابها في سبتمبر المقبل. 
مقابل التكلفة الهائلة والخرافية لتلك الحرب العبثية فإن الانجازات القليلة التي تحققت للافغان على مستوى التعليم والصحة وحقوق المرأة لن تصمد طويلا ما أن تجتاح حركة طالبان المدن الافغانية الكبرى وفي مقدمتها العاصمة كابول. فليس متوقعا أن يصمد الجيش الافغاني الذي كان قد قدم عددا هائلا من الضحايا في ظل حماية أميركية ذات مستوى تقني متقدم. اما وقد رُفع ذلك الغطاء عنه فإن العودة إلى خيار الحرب الأهلية خيار لا يفضله أحد. 
ما كان يلح على الولايات المتحدة أن تخرج قواتها من أفغانستان بسلام. وهو السلام الذي دمرته بنفسها في بلد لم يكن جزءا من مشكلتها التي القت تبعاتها على أفغانستان وبعده بسنتين على العراق. 
شيء من الغباء يختلط بشيء من الخبث ليصنعا السياسة الأميركية التي لا يكفي بأن توصف بأنها شريرة بل هي اضافة إلى ذلك تنطوي على قدر هائل من الصفاقة والغرور والانحطاط الاخلاقي وعدم الشعور بالمسؤولية والعدوانية العبثية في أهدافها واتجاهاتها. 
حتى اللحظة لم ينطق سياسي أميركي سابق بكلمة تتعلق بالفشل الأميركي في أفغانستان. إن قيل إن الأميركان يجهلون أفغانستان، شعبها وتاريخها وتقاليدها وطبيعتها وبنيتها الاجتماعية حين تورطوا بغزوها فإن ذلك كذب محض. فالولايات المتحدة غالبا ما تمثل دور القوة العمياء غير أن ذلك لن يعبر عن حقيقتها. الولايات المتحدة هي أكبر مركز للدراسات البشرية على أساس علمي. أما أن يكون رؤساؤها حمقى وأشرارا من نوع جورح بوش الابن الذي قاد غزوتي أفغانستان والعراق فذلك أمر طبيعي.    
ولكن إذا كانت حركة طالبان قد ارتكبت خطأ فادحا حين آوت تنظيم القاعدة وامتنعت عن تسليم قادته إلى الولايات المتحدة التي وجهت أصابع الاتهام إلى التنظيم المذكور بارتكاب واقعة تفجير البرجين فما ذنب الشعب الافغاني الذي هو أصلا ضحية ما جرى له منذ الغزو السوفييتي حتى الغزو الأميركي ولم تكن طالبان إلا فصلا من فصول مأساته؟ 
اعتبر الأميركان أفغانستان بعد غزوها مختبرا للاعمار. هبطت الأموال من غير حساب وانتشر الفساد على غرار ما جرى في ما بعد في العراق. لقد أفسدوا شعبا نزيها وطاهرا ويتجنب "الحرام". كان ذلك أهم الانجازات الأميركية التي لا يمكن محوها. اما المخدرات التي عُرفت بها أفغانستان فقد نشطت تجارتها في ظل الحرب التي شردت الملايين في الداخل والخارج. وفي النهاية فإن الأموال الخرافية التي يُقال إنها تجاوزت الترليونين قد تبخرت لتحل محلها حقيقة القتلى والجرحى والمعاقين والايتام والارامل والمشردين والنازحين واللاجئين. 
الآن حين نلتفت إلى حرب أفغانستان وبعد أن قررت الولايات المتحدة بموجب اتفاق الدوحة سحب قواتها من أجل أن لا يُستعاد مشهد هزيمتها في فيتنام باعتبارها أطول جريمة في التاريخ.    
أكانت الولايات المتحدة مضطرة لارتكاب تلك الجريمة؟
ذلك هو السؤال الذي لن تجرؤ أي قوة في العالم على طرحه من أجل أن يستعيد العالم توازنه. فبالرغم من تكلفة الحرب الباهظة على المستوى الإنساني فإن الخروج منها نحو السلام يعني أن طالبان ستطبق بظلمتها على البلد الذي لم تحرره القوات الأميركية بل صنعت منه ساحة لحرب طاحنة انتهت بهزيمتها. 
من غير شعور بالذنب تغادر الولايات المتحدة موقع الجريمة بعد أن ضمنت أن الثمن الذي قدمته لحركة طالبان سيكون كفيلا بإسكات حركة طالبان التي ستعلن عن انتصارها على الولايات المتحدة وعلى الشعب الأفغاني معا.  
لقد حرصت الولايات المتحدة على أن يكون طعم هزيمتها مرا للآخرين. والآخرون هنا هم الأفغان.