طرافة استحضار الإسكندرية

بقلم: د. صلاح الدين بوجاه
مدينة الفكر والكتب

رغبت أن أقيس ما لا أعرف على حدود ما أعرف، فمضيت أتمثل الإسكندرية – قبل دخولها- نظير بعض مدننا السياحية الكثيرة في تونس، سوسة، الحمامات، جربة...

لهذا مضيت أستحضر الرمل والشمس، والنهوج المستقيمة، وأصناف الفيلات والقصور الصغيرة المتناسقة، والسواح العابرين مما ينشئ رؤية للكائن وبناء المدينة! وغلبة اللون الأزرق في السماء خلف الجدران المصبوغة بالأبيض! لكنني سرعان ما تخليت عن هذه السبيل وتركتها إلى غير رجعة!

في مقاهيها حظيت بمقابلة شوقي بدر يوسف، كما تشرفت لبعض الوقت بمعرفة ابنه، كما التقيت فضل شبلول، إضافة إلى العزيز الأقرب مصطفي عبد الله، واللطيف جدا منير عتيبة. في مقاهيها، ودروبها الجانبية التقيت بثلة من الكتاب الذين مارسوا الفرنسية، أو اليونانية، في ميادينها ومعلقات دكاكينها الإشهارية امتزج القديم بالحديث.

الصحب، والأحباب والتاريخ حاضر في كل منعطف، بمراحله القريبة والبعيدة. من هنا مرت تلك الملكة، لدى نهاية الشارع انتصب تمثال ذلك القائد، في هذا المسرح الروماني أستقبل جمهور الإسكندرية القديمة تلك الأميرة، أميرة الأفكار والقلوب، تلك التي تلهب المشاعر وتثير العقول.

رغبت أن أكتشف في كل هؤلاء مجدا مستداما تتشبث الإسكندرية به. وتذروه على السهول المحيطة، وفوق ربى الخيال.. ترفرف من شارع إلى آخر، ومن مبحث إلى آخر أوسع وأشمل في باب المعمار الداخلى الذي تنشد الكائنات فيه خيال أوزيرييس، والشعر الحديث، وتعاقب الأحداث في مدينة.. كل ما فيها قد من كلام مقفّى! من فكر موزون!

فلعل طرافة استحضار الإسكندرية لا تخرج في جانبها المهم، من مجال ضياع الفهم بالنسبة إلى من يروم الفهم! وميلاد أساليب من التتالي المخصوص الموصول بالانسجام.

ألا يكمن هذا في تجميع "مدونات المعنى" كلها في سياق واحد، سياق نحبه ونتوق إليه، ونرغب في تجميعه إزاء أبصارنا، وبصائرنا، عسى أن يغدو مثل محجة لنا؟.

أعرف المدن التونسية الساحلية، لكن الإسكندرية تجمع بين بهاء الحسناء وعقل المفكرة ومهجة الشاعرة، بين الوشاح الذي تزين به جيدها، وصفاء ذهنها. ألا يعيدنا هذا إلى قول الشاعر:

كم أرغب في أن أكون بعيدا عن نفسي

آلا كم أنا قريب منها

آه، إني أدنو أكثر

لكنني لن أقول إن الإسكندرية قصيدة، فهي قطعة من نثرنا الفني الجميل، إنها طريق بين البداية والنهاية، طريق لا تؤدي إلى غاية، بيد أنه يوجه خطانا شيئا فشيئا نحو غايات غير مضبوطة، فيها تكمن هويتنا العميقة.

مجال المدينة واسع فسيح، إنه أوسع من الكورنيش بين هذه الجهة في البحر وتلك الجهة، المرسي أبو العباس، القلعة القديمة، الفنادق النابتة من الأرض مثل أشجار الغابات الأفريقية.

غرف هي المدينة الساحرة.. بيد أنها لا تؤدي إلى غرف أخرى، رغم أننا نبحث عن مفاتيحها الضائعة، ونرغب في أن نكتسب – بفضلها – هوياتنا الجديدة.

وتبقى المكتبة.. معلم معالم الإسكندرية، والدنيا بكاملها، هذه هي الطريق التي تفسح للشعراء والكتاب، ساكني الملاحم، أن يركضوا فوق عرباتهم المطهمة، بحثا عن سفر جديد!

مكتبة بيونس إيريس تلك التي أقامها جورج لويس بورخيس، في الواقع وفي ذهنه، ومنها استقى كل مدوناته الأرجنتينية والأسبانية والانقليزية والعربية.

الإسكندرية هي"عروس الأدب المقارن"، هي سيدة البحث عن التقارب بين المتباعدات!

من خلال الروايات الفرنسية نظفر بظل من ظلال الإسكندرية، من خلال روايات المتوسط، لا أدري لماذا أصر في ذهني على اعتبار الاسكندرية رواية "فساد الأمكنة" لصبري موسي، رواية التحول بعد العهد الملكي.

هل يعود ذلك إلى أنني أعتبرها في ذهني مدينة الفكر والكتب، ومنها أستعيد بعض ولعي بالفكرة والكتب، أو بالرواية؟

كيف ننسى أن الإسكندرية أولاً وآخراً هي مدينة الإسكندر فبعد أن سأل "عراف آمون" عن قدره وما تخفيه الأيام.. أحس أن الطرق تنفتح أمامه واسعة..

الإسكندرية مدينة لا تستقيم عبر تيه العيون العربية، إنها أوسع من عيوننا، وأبعد في شعاب الذكرى والتاريخ من أبصارنا، فنحن غير قادرين على العثور عليها، إنما بها نكاد نعثر على ذواتنا، لهذا ندعى إلى الانكباب فوق فروع النيل الشرقية.. عسى أن نلتقط شيئا من توهجها!

د. صلاح الدين بوجاه ـ تونس