طرابيش التشاعر

قصة: محمد الأصفر ـ ليبيا
يا لهوي

- 1 -
في ظهيرة يوم قائظ خرجت من البيت، ركبت الحافلة، ونزلت في ميدان الفندق البلدي. على الرصيف بائع يبيع الكتب. يضع على كل كتاب حجراً صغيراً. لمحت كتيباً ليس بغريب علي. أزحت عن صدره الحجر. إنه هو، ديوان صديقي الشاعر. بعد مساومات اشتريته أو بالأحرى أزحت عنه ثقله بدينار إلا ربع.
- 2 -
عدت إلى البيت، وضعت الديوان في المكتبة، جنب ديوان "الذي يأتي ولا يأتي" للبياتي. دفعه ليسقط أرضاً وأقسم أن لا يبيت بجانبه. وضعته بجانب الشاعر الفزاني. مرض الفزاني وسافر ليلقى حتفه في سويسرا. وضعته بجانب نازك الملائكة صرخت يا لهوي. وضعته بجانب أمل دنقل دفعه وقضم شفته الغليظة. وضعته قرب إيليا أبو ماضي. دفعه قائلاً "لقد تركنا لكم الوطن أتلاحقوننا في موتنا أيضاً؟"
- 3 -
أخذ الديوان يبكي على الأرض. تركته يبكي حتى اليوم التالي. لم ينزح اللعين. في منتصف النهار خرجت لأعيده إلى الرصيف متنازلا عن ثمنه، ولكن بائع الرصيف غير موجود. دوهم من الحرس البلدي. قلت سآخذ الديوان في نزهة على الأقل فأنا لا أحب الكلمات الباكية. البحر لفظه. الحدائق لفظته. دار الكتب الوطنية مقفلة. رابطة الأدباء في اجتماع. ذهبت به إلى سوق العرب. دخلت من باب البقوليات والمحمصات. فور دخولي أخذت حبيبات الزريعة (اللب) ترقص في الأكياس وتتطاير إلى أعلى كذرة تقلى.
تعجبت للأمر. سألت صاحب المحمصة: ما الأمر؟
قال لي: كلما دخل زبون في يده ديوان مثل الذي تحمل تفرح الزريعة إلى حد الطرب لأنها ستتحصل على قراطيس تحررها من أكياسها.
قلت له: ريحتني الله يريحك ودفعت له بالديوان.
- 4 -
طربشه سريعاً وملأ الطرابيش بالزريعة "السامينسه" وصاح في مساعده: بسرعة إلى المدرسة. قريبا يدق الجرس. اندفع المساعد يجري بصندوق الطرابيش. تبعته بفضول. حالماً وصل أمام المدرسة ازدحم عليه التلاميذ واشتروا كل قراطيس الديوان، رغم وجود بائعين آخرين يبيعون الزريعة نفسها ولكن في قراطيس ورق إملاء وحساب.
تتبعت تلميذاً. جذبته على حدة وسألته: لماذا تشترون هذه القراطيس بالذات؟
قال لي: هذه القراطيس يا أستاذ عندما ننقب زريعتها نصنع منها صاروخا نطلقه فلا يخطئ الهدف أبداً.
قلت له: أي هدف تعني يا صغير؟
قال لي: سلة المهملات التي وراء باب الفصل. محمد الأصفر ـ ليبيا